الخميس، 20 يونيو 2013

العميان


 يقولون...

انه خلال النوم ...

الروح ترحل بعيدا،

و إن حدث أن استيقظت قبل أن تعود إلي جسدك فستجد نفسك في كابوس بلا نهاية .....

غارقا في الذهول و الرعب ,

بلا صوت بلا قدرة ,

 إلى ان تعود أليك.

لا يجب ان انهض قبل ان تعود روحي.......هكذا حدثتني نفسي .... غير أنى لم أكن نائما حين اخذت مني روحي في ذلك اليوم .... كنت على فراشي انتظر عودة روحي....

كانت احداث الامس راسخة في ذهني .....

يناير 1992

صبي صغير في الصف الثالث الاعدادي كنت امين اتحاد طلاب مدرستي .... وامين اتحاد طلاب إدارة العريش التعليمية ....و امين مساعد اتحاد طلاب مديرية شمال سيناء....مفعم بالأمل والحماس...اقف امام ذلك المبني الحكومي العتيق....المسمى بالمجلس المحلي ....حاملا علي ظهري حقيبة بها كاميرا كوداك كنت قد استعرتها من قريب لي ابيه يعمل ببلاد النفط....وبعض كتبي وشطائر المفتقة التي تصر امي ان احملها معي أينما كنت ....كنت نحيفا جدا و كانت امي مقتنعة تمام الاقتناع ان المفتقة هي الحل السحري لهذه المعضلة......كنت اكره المفتقة ....التي تجعل من يأكلها يطفح برائحة الحلبة الصفراء من كل افرازات جسده.....وانا اكره الحلبة ورائحتها.......لكن كنت مضطرا لاصطحاب المفتقة حتي لا تغضب امي......

اجتزت باب المبني العتيق .... واتجهت رأسا الي الدور الثاني حيث مكاتب الموظفين كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحا بقليل وكان اليوم الاثنين...كما توقعت تقريبا لم أجد أحدا من الموظفين على مكتبه أخرجت الكاميرا وبدأت التقط الصور للمكتب الخالي من موظفيه .... ثم الي مكتب اخر حيث تجلس امرأتين احداهما تقطف ملوخية .... والأخرى تتعامل مع حبوب البازلاء لإخراجها من غلافها الأخضر كجراح بارع.... تراجعت قليلا ثم فكرت انه ليس من الملائم تصوير المرأتين لما في ذلك من انتهاك الخصوصية......لكني قررت ان اذكر الامر .... تجاوزت المكتب ثم انتقلت الي اخر.... لأصور باقي المكاتب الخالية وعليها صحف ملقاه بإهمال وملفات متناثرة.......

" انت بتعمل ايه ياض هنا" واضعا يده على كتفي وكأنه ممسك بكتكوت.... قال محروس......

ومحروس هذا صول الشرطة المسئول عن تأمين المبني يجلس في كشك زجاجي بالدور السفلي .... ويبدوا انه اثناء قضاء حاجته في مكتب رئيس مجلس المدينة الخالي من صاحبه أيضا.......رأني اصور المكاتب ففزع واقتنع أنى شيء من اثنين اما أني جاسوس او أني إرهابي......

بلعت ريقي بصعوبة بالغة محاولا استجماع افكاري وقلت.......

" حضرتك انا باخد صور عشان خاطر مقال باكتبه لمجلة المدرسة "

" مدرسة!!!!! نهار ابوك اسود انت مش عارف ان ده ممنوع".......

 قلت وانا ارتعش

" لا والله حضرتك معرفش انه ممنوع"....

شدد قبضته على ياقة السترة التي كنت ارتديها وجرني خلفه الي صومعته الزجاجية.......ثم قام بالاتصال بشخص ما يبدوا انه شديد الأهمية لأنه طوال المكالمة كان واقفا يرتعش وعرقه يتصبب وبدلته الميري تهتز من فوق كرشه المهيب....

10 دقائق ووجدت رجل يدخل الكشك وينظر الي محروس شذرا ويقول

"هو فين"....

انتفض محروس واقفا وهو يقول "اهو يا سعات الباشا"

نظر الرجل لي في بلاهة "هو ده!!!!!!!!!!!!!!"

"ايوة يا باشا ...: كان بيصور مكاتب الموظفين وبيصور المبني"

نظر لي الرجل "انت اسمك ايه"......

"اسمي محمد"

"طيب تعالي معايا يا محمد"

"حاولت ان ابلع ريقي فلم أجد ريق......وبصوت مبحوح...قلت "على فين"

"هتعرف لما نوصل"

امسكني من يدي ووضعني في عربة فيات 128 وجلس هو بجانب السائق بالأمام حتى وصلنا الي ذلك المبني المخيف الذي كان يكفي ذكر اسمه ليرتجف له أكبر شنب في البلد......مبني امن الدولة.......

وضعني الرجل في غرفة صغيرة لا يوجد بها نوافذ بها لمبة صفراء خافتة الاضائة في سقف الحجرة وبها منضدة صغيرة ومقعد بجانب المنضدة .... وبابها حديدي مصمت .... كان علي المنضدة رزمة من الورق وقلم.....نظر لي الرجل و قال

" اقعد يا محمد انا عايزك تكتب اسمك بالكامل ومدرستك وباباك بيشتغل ايه .... واسم مدرستك وانت كنت بتعمل ايه في المجلس المحلي.... كل حاجة بالتفصيل"........ثم تركني الرجل وخرج مغلقا الباب الحديدي من وراءه...

جلست ساعتين وحيدا دموعي تنساب علي وجهي اكتب في الأوراق.....كتبت كل شيء في 10 دقائق ثم جلست افكر في صدمة ابي ....ابي المجاهد القديم و صدمته حين يعلم ان ابنه جاسوس.....

ثم .....

فتح الباب ...مسحت دموعي من علي وجهي بسرعة ودخل رجل يرتدي نظارة شمسية سوداء وقميص ازرق فاتح مفتوح الصدر وسروال جينز اسود ....

 كان الرجل يبدوا عليه انه من أولئك الرجال الذين يمشون بين قطرات المطر و لا يبتلون ابدا.....بينما انا اجلس و انا مبتل تماما تحت سقف محكم .....من حسن حظ الرجل اني لم اتناول المفتقة و إلا كانت الغرفة قد انقلبت الي زريبة من الحلبة الصفراء .

تناول الرجل ما كتبت ثم غادر الغرفة.......لم ينطق بكلمة .......

مر علي ساعتين .....و انا اتخبط في افكاري ...تري ماذا سوف يحدث لي ....و ماذا سيفعل ابي ان علم الامر ....و ماذا ستفعل امي الحبيبة ...... ثم فتح الباب و دخل رجل الامطار......." انت كنت بتعمل ايه في المجلس يا محمد"......

"حضرتك انا كنت بعمل مقال صحفي لمجلة المدرسة عن تزويغ الموظفين من شغلهم.... وكنت بصور عشان احط الصور في المجلة.....حتي حضرتك ممكن تسأل استاذ صلاح مشرف المجلة"

"سألناه وبعتنا حد يجيبه"

"حضرتك أستاذ صلاح ما يعرفش اني كنت هاصور هو كان فاكر اني هاكتب بس "

"هو قال كده برضه"

" ممكن حضرتك محدش يقول لبابا بعد اذنك......انا و الله ما عملتش حاجة.....و بعدين هما خدوا الشنطة بتاعتي...دي فيها الكتب ... والكاميرا مش بتاعتي"

"الكتب موجودة واحنا خدنا الفيلم من الكاميرا و هنرجعهالك لما أستاذ صلاح يجي ياخدك ....و مش هنبلغ الحج فتحي بس لازم تعرف اللي انت عملته ده غلط كبير وكان ممكن تخش السجن بسببه لولا اننا اتاكدنا انك ما تقصدش"

تركني الرجل وخرج دون ان ينتظر مني رد.......بعد ساعتين اخرجوني من الغرفة لاجد الأستاذ صلاح .....الذي ناله علي ما اعتقد ما نالني ......نظر لي استاذي بنظره كسيرة قائلا.......

" يالا يا محمد عشان اروحك"......اعطوني حقيبتي تأكدت من وجود الكتب ووجود الكاميرا......ولكني لاحظت اختفاء شطائر المفتقة

لم ينبس استاذي طوال الطريق بأي كلمة .....وظل يتحاشاني طوال السنة الدراسية.......

عدت الي منزلي رافضا الحديث مع أحد اخبرت امي أنى سأنام و لا اريد ان يوقظني احد دخلت غرفتي واستلقيت علي الفراش انتظر ان تعود الي روحي التي تركتها في تلك الغرفة ......

بعد عامين ......قرأت قصة لموريس ميترلنك اسمها "العميان".. وهي مستوحاة من لوحة للفنان بيتر بروجيل اسمها "الأعمى الذي يقود العميان" تتحدث القصة عن مجموعة من العميان يقودهم دليل اعمي يسيرون بخطي متعثرة وئيدة نحو الهاوية التي تنتظرهم .... ومن ورائهم تغفو القرية ساكنة ,هادئة ببيوتها البسيطة الدافئة ,لتترك العميان يسقطون.....
هكذا رأيت رجل الامطار ورفاقه رأيتهم عميان .... ورأيت من يرأسهم اعمي .....ورأيت ان هاويتهم قريبة .....و قد حدث في 25 يناير 2011