الجمعة، 20 ديسمبر 2013

النوبة

بعد عناء يوم طويل للغاية وسط اجهزة التنفس الصناعي...واجهزة رسم القلب ....مرضي يرقدون بلاحول ولا قوة علي الاسرة البيضاء ادور بينهم لمدة 24 ساعة محاولا المساعدة قدر الامكان...ركبت المترو في طريقي للعودة الي منزلي ...يصعد رجل كبير يمشي حثيثا بجلباب ابيض خفيف لا يتناسب ابدا مع برودة الطقس وذقن بيضاء مغمض العينين يحمل في يد كيسا اسود ويده الاخري علبة مناديل ....يسعي لبيعها بصوت خفيض للغاية.....كان يتلمس الطريق تحت قدميه بصعوبة شديدة ...الرجل ضرير....هكذا قلت لنفسي....ابتعت منه علبة مناديل اخذ مني النقود شاكرا داعيا لي......استمر في سيره الي اخر العربة....اغمضت عيني محاولا سرقة بعض الوقت كي انام......ثم ....طاخ....
-لاحول ولا قوة الا بالله الراجل وقع.
التقطت اذني تلك الجملة فتحت عيني...وجدت الرجل الضرير ملقي علي الارض ينتفض.....
نوبة صرعية عنيفة...هكذا قلت لنفسي ...نهضت وذهبت ناحية الرجل ابعدت عنه من حوله....مسكت بفكيه لامنعه من عض لسانه واملت راسه لامنحه فرصة للتنفس...توقف المترو في المحطة ...وخرج بعض الشباب ليطالب السائق بالتوقف قليلا حتي يتم اسعاف الرجل....علي ما يبدو لم يستمع السائق لصراخهم وبدا في اغلاق الابواب لبدء التحرك ....بدأ بعض الشباب في الصراخ ...حرام عليك معانا راجل بيموت هنا .....وقف بعضهم يمنع الباب من الاقفال....لكن المترو تحرك...والباب مفتوح!!!!!!....مسحت للرجل الضرير الدماء التي سالت علي وجهه اثر جرح في جبهته....انتهت النوبة....وبدأ الرجل يتنفس بانتظام....حملناه ووضعناه علي الكرسي ...بدأ يفتح عينيه ويهمهم.....عيناه خضراواتان بلون الزرع .....
_اسمك ايه ياحج
-سليمان
-انت بتاخد الدوا بتاعك ياعم سليمان
-لا انا ما باخدش اي دوا
-طب الحالة دي بتجيلك كتير
-لا انا ما بتجليش حالات انا كويس
-انت لازم تروح المستشفي
-..................
رد شاب يقف بجانبي....
-احنا نازلين السيدة زينب هناخده معانا القصر العيني
-تمام ولما تروحه المستشفي تقولولهم ده جتله نوبة صرع في المترو ووقع...ويشوفوا بالمرة دوا يمشوه عليه
-خلاص اتفقنا
-ربنا يكرمكوا يا شباب
-علي ايه يا استاذ ده زي والدنا ربنا يشفيه.
نزلت من المترو وانا افكر .....الحياة مثل القطار لا تقف لاحد لكننا نحن من نقف لنساعد بعضنا البعض ونخفف الام بعضنا البعض

الجمعة، 29 نوفمبر 2013

ام المنفيين 2

وقف يستند علي سور السفينة وهي تتجه الي نيويورك ....ام المنفيين رمز الحرية تظهر وتقترب اكثر فاكثر .....هبت نسمة قوية فوق سطح السفينة رفع ياقة المعطف ...التفت يمينا فرأي الوشاح يطير ....وشاح احمر موشم بخطوط ذهبية يطير ناحيته متجها الي المحيط مد يده بسرعة خاطفة لينقذ الوشاح من الهبوط الي الضياع .......مسك الوشاح فتخلل الي انفه عطره....هذا العطر ليس غريبا ابدا ....انه جوتشي...يا الهي انه نفس العطر...
- مرحبا....
قطع حبل افكاره الهادرة ذلك الصوت الدافيء الناعم....رفع عينيه عن الوشاح فرأها..شعر اسود طويل وجه خمري و عينين زرقاوين بلون المحيط....عيناها صاخبتين كموج المحيط ان كان للون صوت....ترتدي بنطلون جينز ازرق مع قميص فضفاض ابيض وحذاء رياضي خفيف.......
-اشكرك كثيرا لانقاذك لوشاحي .....مدت يدها ناحيته مصافحة....
-انا هيلين
-محمد..
-من اين؟
-مصر
فتر ثغرها عن ابتسامة ساحرة ولوحت بيدها في الهواء وقالت
-اها.....نحن اقارب اذن
ارتفع حاجباه في دهشة لايمكن ان تكون هذه الفاتنة مصرية او عربية...الاكيد والواضح من ملامحها انها متوسطية ...متوسطية بشدة....فكر انه من المحتمل ان تكون اسرائيلية ولذلك تعتبر انه اقرباء ما ان خطرة في باله هذه الفكرة حتي عقد حاجبيه في انزعاج واضح..لاحظت انزعاجه و حيرته ووجومه...فأكملت في مرح
-انا حفيدة اولمبياس.
نظر لها في تساؤل ثم ادرك ما تعنيه فلانت ملامحه وابتسم قائلا
-اها ...انت من مقدونيا ..انت حفيدة للاسكندر الاكبر.
-نعم والاسكندر كان مصريا ....فهو ابن امون.
تذكر تلك المحاضرة التي حضرها للمفكر اسماعيل مظهر منذ عامين وكان يتحدث فيها عن الاسكندر ومصر....كان دكتور اسماعيل جالسا يدخن البايب ويقول بصوته الاجش
-من المعروف تاريخيا ان الاسكندر ابن الملك "فيليب الثاني" لكن اعتادت النساء في العصور الوثنية ان تعطي لاولادهن قوة سمائية فقد سمع من امه "اولمبياس" أن الاله "زيوس" تمثل في صورة أفعوان وخالطها فكان الاسكندر ثمرة اللقاء ,
كان من الطبيعي أن تلفت شخصية مثل الاسكندر الانظار اليه بعد ان استطاع بغزواته وحروبه ان يهز ارجاء العالم القديم ولهذا نجد ان اسطورة الاسكندر قد كتبت وذاعت في كل لغات الدنيا القديمة من الهند الي بحر الظلمات وتضمنت قصصا خرافية وجعت بين الاسطورة والتاريخ ففي النسخة الفارسية الاسكندر هو ابن "دارا" ملك الفرس وفي النسخة العربية يظن البعض انه "ذو القرنين" ذلك الملك الذي هدم الاصنام وعمل علي تقويض اركان الوثنية.
اما الاسطورة الاشهر هي ان اباه هو "نختنبو الثاني" اخر ملوك الفراعنة ..انتهي حكم "نختنبو" بالغزو الفارسي وتقول الاسطورة ان "نختنبو الثاني" كان من كبار السحرة وعند دخول الفرس هرب في هيئة ساحر الي مقدونيا ,فاستقدمته "اولمبياس" وكانت عاقر فوعدها الساحر المصري بأن "زيوس امون" سوف يزورها متقمصا صورة افعوان , ثم استخفي "نختنبو" في صورة افعوان وخالطها فولدت الاسكندر ....كان لتلك الاشاعة جاذبية قوية لدي المصريين الذين اشتاقوا للديمومة وكنوا كراهية شديدة للحكم الاجنبي بعد الاحتلال الفارسي.
تذكر تلك المحاضرة وهو ينظر الي "هيلين"...وقال
-هذه اسطورة ....لم يكن "نختنبو" والد الاسكندر وبالطبع لم يكن "امون" ايضا .....الحقيقة ان الفرعون الاخير هرب الي النوبة وانقطعت اخباره ولم تطأ قدميه ارض مقدونيا قط.
-لكني احب الاساطير .....واصدقها.....قليلون هم من يعرفون اساطير الاسكندر...هل تدرس التاريخ؟
-لا علم الاجتماع ...لكني مهتم بدراسة تاريخ بلادي وكل ما يتعلق به....و "نختنبو" كان اخر ملك مصري حكم مصر.
-حسنا....لكني مازلت اصر اننا اقارب.
ابتسم قائلا..
-وانا اعتز بذلك....هل تدرسين انت التاريخ؟
-الرياضيات...ادرس الرياضيات...تركت مقدونيا منذ اربع سنوات والتحقت بمعهد ام.اي.تي في بوسطن انهيت دراستي منذ بضعة شهور ...وحصلت علي منحة "رودس" في اوكسفورد وسألتحق بها العام القادم ...لكني كنت في زياره لعائلتي في مقدونيا.
-منحة "رودس" في اوكسفورد, عبقرية انت اذن.
-يمكنك ان تقول هذا...ههههههه.....هذا ليس راي امي.
مدت يدها وتناولت الوشاح من يده وقالت..
-هذا الوشاح هدية من امي ...وانت انقذته شكرا لك...امي تعتبرني فاشلة فقد بلغت من العمر 29 سنة ولم اتزوج ولم انجب ...امي تعتبرني عانس ...انا من مدينة اسمها كومونوفو...بلدة ريفية تتزوج البنات فيها في سن الثامنة عشر او اقل...لهذا بالنسبة لامي فأنا في ارذل العمر..هههههه.
رفعت يدها لتزيح خصلة من شعرها سقطت علي جبهتها...واكملت..
-بعد فاصل متواصل من التوبيخ احببت ان انفرد بنفسي لفترة فقررت استقلال الباخرة الي نيويورك عوضا عن ان اسافر بالطائرة...والحقيقة انها كانت فكرة رائعة.
وافقها بايمائة من رأسه وقال
-البحر يبتلع الهموم كما يقولون.
-بمناسبة الهموم اسمح لي ان اسألك سؤالا......منذ الصباح وانا علي السطح اراك مستندا علي سور الباخرة تبدوا شاردا وحزينا ....لم تواتيني الجرأة للحديث معك....لكن الصدفة كانت في صفي وطار وشاحي.
قاطعها قائلا
-يقولون في مصر رب صدفة خير من الف ميعاد.
-نعم هذا تعبير رائع....نأتي للسؤال....اسمح لي لم هذا الحزن؟
-وطني....اشتاق الي مصر فقد قررت عند خروجي منها اني لن اعود اليها مرة اخري ....وهذا يقتلني...مصر لم تكن بالنسبة لي موطن فقط ....لكنها كانت شغفي وعشقي للحياة.
-وهل لي ان اسألك ما الذي يمنعك من العودة مرة اخري.
صمت قليلا واطرق برأسه ارضا ........ثم قرر ان يخبرها...لا يعرف لماذا...قد يكون العطر.....قد يكون نوع من ازاحة الثقل عن الصدر .........لكنه قرر ان يحكي كل شيء...
                                                        -يتبع-

الخميس، 14 نوفمبر 2013

فيلم وردة......والمصدر المسئول

المستحيلات عند العرب ثلاثة ...الغول والعنقاء والخل الوفي.وفي حياتي انا كانوا اربعة....الغول والعنقاء والخل الوفي.......وفيلم وردة.في ثمانينيات القرن الماضي كانت هناك اسطورة فيلم وردة.....ذلك الفيلم الاباحي الذي زعم ان وردة قامت بتمثيله من اجل المال......وكان قد اشيع ايضا ان عادل ادهم شاركها الفيلم.....الغريب في الامر اني وحتي هذه اللحظة لم اجد في حياتي من شاهد ذلك الفيلم ، لكن الجميع يتحدث عنه كأمر واقع بل ان بعض من قابلتهم كان يحكي احداث الفيلم بنفس الترتيب ونفس الكلام "هي طلعت اول الفيلم وقالت سامحوني دول نص مليون جنيه" -يقصد اجرها في الفيلم-..كنت ابادرهم بالقول.."انت شوفت الفيلم"..."لا...بس الواد فلان شافوا"......وعند مقابلتي لفلان اسأله نفس السؤال فيقول نفس الاجابة واظل في حلقة مفرغة الكل سمع ولم يشاهد.....حتي ان البعض بدأ يشرح ويوصف المشاهد الاباحية في الفيلم والجمل الحوارية.....وكأنه رأي لكنه في الحقيقة سمع فقط.احد اقربائي تربي في احد دول الخليج عند عودته لمصر في اجازة لاول مرة في حياته حتي ان لهجته الخليجية كانت طاغية وكان ذلك في منتصف التسعينات ...."ما عندك حدا يجيبلنا فلم وردة"."هههههههههه...هو وصل عندكوا انتوا كمان"....."طبعا وقالولي ما بتشوفه غير بمصر"...."معلش كل الناس عندنا سمعوا كده زي عندكوا ....محدش شافوا....اصله لابس طاقية الاخفا"لم يكن في ذلك الوقت وسائل الاتصال بهذه السهولة كما هي الان لا انترنت ولا شبكات تواصل اجتماعي....الخ.حتي رؤية فيلم ثقافي كان يمر بمراحل طبق الاصل فيلم احمد رزق....فكيف وصل خبر ذلك الفيلم المستحيل الي كل ارجاء المعمورة...وتعجبت ايضا من كمية خيال المتلقي ..يضيف مشاهد ويتخيل جمل للحوار لفيلم لم يشاهده احد اصلا.وبعد عشرين عام او يزيد اصبحت المستحيلات في حياتي خمسة" الغول والعنقاء والخل الوفي وفيلم وردة.....والمصدر المسئول".اكاد اموت ضحكا عند قراءة او سماع اي خبر منسوب الي ذلك المستحيل "المصدر المسئول"....عند بداية اي خبر "وصرح مصدر مسئول"....، اعرف انه فستك.وانتظر ان يأتي معتم وجهه بشاشة بيضاء من خلفه ويقول......"سامحوني دول نص مليون جنيه

الجمعة، 13 سبتمبر 2013

ام المنفيين


.هلموا الي أيها المنفيين,
أيها المظلومين,
أيها الفقراء,
أيها المحرومين من كل ارجاء المعمورة....
ها أنا ذا أفتح لكم ذراعي لأستقبلكم بيد تحمل مشعل نور لتهديكم إالي الطريق وأخري تحمل كتاب المعرفة.....أعطوني تعبكم, فقركم وحنينكم المحتشد للتنفس بحرية......"
وقف يستند الي حاجز الباخرة ينظر الي تلك المرأة التي ابدعها اوجست بارتولدي .........وانشأ هيكلها جوستاف ايفل....تقف شامخة تحمل مشعل الحرية في يدها....
"محمد سالم الحويطي".......دكتور علم الاجتماع بكلية الاداب جامعة قناة السويس ...ينتمي لقبيلة عريقة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ وينتشر افرادها في خمسة بلدان عربية علي الأقل ..."قبيلة الحويطات"....أصله البدوي كان عائقا كبيرا في تقدمه نحو المعرفة ونحو الترقي الي وضع افضل...كان ينظر اليه-حاله كحال باقي المصريين علي الحدود كالنوبيين وأهالي مطروح – علي انه مواطن
"درجة تالتة"...
كان دائما يحتاج الي مجهود مضاعف ليأخذ فقط .....حقه.
في المرحلة الابتدائية كان يسير لمسافة خمسة كيلومترات ليذهب الي مدرسة "لحفن" الابتدائية المشتركة....المدرسة كان بها ثلاثة وعشرون تلميذ من الصف الأول الي السادس.....كان في صفه تلميذان ترك احدهما المدرسة في الصف الثاني....والاخر تركه في الصف الرابع....وهكذا استكمل دراسته وحيدا واصبح الوحيد الذي حصل علي الشهادة الابتدائية من مدرسته......
تضاعفت المسافة المطلوب منه قطعها الي عشرة كيلومترات ليذهب الي مدرسته الإعدادية ثم الي ثلاثين كيلو ليذهب الي مدرسته الثانوية، كل اساتذته نظرا لنبوغه وتفوقه الباهر كانوا يحثونه علي الالتحاق بالقسم العلمي.لكنه التحق بالقسم الادبي رغم اسف اساتذته
كان هدفه ان يصل الي كلية الاداب ...وقسم الاجتماع بالتحديد...وان يصبح أستاذا بالجامعة....فهو يعلم ان هناك مشكلة مجتمعية تحيط ببلده انه يتنفس هذه المشكلة كل يوم وهو يريد ان يساهم في حلها.
سنوات دراسته بالكلية كانت الأصعب علي الاطلاق ما بين فقر الحال وضنك المعيشة وصعوبة التأقلم ونظرات الشك التي يقابل بها كونه "بدوي"....فقد اسهم النظام القائم بصورة كبيرة في وضع صورة راسخة في اذهان الكل علي ان من هم علي شاكلته اما جواسيس او مهربي مخدرات او تجارا للسلاح.
نحيل, اسمر رقيق الحال يرتدي اسمال بالية بالمقارنة بأقرانه...بعد شهر من بداية الدراسة سعي والده الحاج "سالم الحويطي"-احد ابطال المقاومة وعضو كتيبة الاشباح الفدائية في فترة الاحتلال الصهيوني- ان يوفر لولده نصف عائد محصول الزيتون حتي يشتري "محمد" ملابس جديدة ....اشتري "محمد" قميصين وبنطلونين وحذاء جديد ....اكمل بهم سنواته الأربع حتي التخرج .
تخرج الأول علي دفعته بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف ......تم تعيينه معيدا بقسم الاجتماع ,انهي دراسته العليا بسرعة اعجازية وبعد خمس سنوات كان قد حصل علي الدكتوراة .....مدرس في قسم علم الاجتماع بكلية الاداب وعمره ستة وعشرون عاما........
كانت محاضرته الاولي لطلبة القسم النهائي بعنوان ......"الاقتصاد وتأثيره علي تشكيل المجتمعات"......
بخطوات ثابتة واثقة دلف الي المدرج مرتديا بدلة كحلية اللون جديدة إدخر من راتبه الهزيل ستة اشهر ليستطيع ان يشتريها.
وقف في مواجهة الطلبة ...فتحول الضجيج الي همس ثم الي صمت مطبق .....كان يمتلك شخصية كاسحة رغم حداثة سنه تجبر الجميع علي احترامه كان الطلبة يعرفونه جيدا ويحترمونه كثيرا , كان وهو معيدا وحتي بعد ان اصبح مدرسا مساعدا عونا للجميع يشرح لهم ما يطلبون ويساعدهم في فهم ما استغلق عليهم فهمه....
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
رد الجمع في صوت واحد.."وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"
وضع أوراقه علي المنضدة .....وبدأ السحر..
"سأحدثكم اليوم عن تجربة الاندماج الأصعب في تاريخ البشرية وكيف ساهم الاقتصاد ورأس المال دون قصد في حدوث هذا الاندماج...
في بداية القرن العشرين، كان يوجد في نيويورك من الإيطاليين أكثر مما يوجد في روما، ومن الآيرلنديين أكثر مما يوجد في دبلن، ومن الألمان أكثر مما يوجد في برلين، وكان ذلك بالطبع نتيجة حتمية لتدفق أفواج المهاجرين على مدينة نيويورك من أوروبا مثل طوفان من الأحلام المكسورة، قادمين من بلاد لا تنقصها العراقة، ولا المجد، ولا القوة، ولكنها آنذاك، كان ينقصها الأمل. وهو السلعة المغرية التي باعتها وظلت تبيعها نيويورك للعالم حتى الآن، في تجارة رابحة جداً عندما يكون المقابل هو كل المكونات الأساسية لمدينة كبرى، ومختلفة. ويبدو أن الحظ تجاوز أحلامها في أن تكون تلك المدينة الكبرى فحسب، لأنها، في الحقيقة، أصبحت الاكبر في العالم.
كان التحدي مخيفاً، وجديراً بأن يسبب صداعاً ثقيلاً لأي عالم اجتماع آنذاك، لاسيما وأن التاريخ لم يحبل من قبل بتجربة شبيهة مطلقاً، ولم يسبق للبشرية في تاريخها المديد، قبل التجربة النيويوركية، أن أقامت كياناً متنوعاً وحيوياً بهذا الحجم، دون رابط عرقي أو ديني، وبدون سلطة قمعية مطلقة، ولم يكن أحدٌ يتصور أن ملايين البشر من مشارب مختلفة يمكن أن ينتظموا مثل خرزات آمنة في خيط من الحرية، والعدالة، والمساواة. وهذا ما جعل سياسيي أوروبا ينظرون إلى ما وراء المحيط الأطلسي وهم ينتظرون انهياره الوشيك، وغرقه في وحل من الصراع القومي، فلم يأسفوا على رحيل الرعاع إليه. ولكن خانتهم ظنونهم تلك، أيما خيانة، عندما عاد هؤلاء الرعاع لينقذوا بلادهم القديمة من وطأة الجنون النازي."
تناول بيده كوب الماء ....ارتشف رشفة صغيرة ..ونظر لطلبته ثم اكمل..
"بدأ القرن العشرون ونيويورك تحتضن ما يقارب ثلاثة بلدان كبيرة، وعدة بلدان أخرى صغيرة، وأقليات متنوعة، وبضعة أديان، في مدينة واحدة، هذه الخلطة الديموجرافية المخيفة، غير المسبوقة، بدأت تثير قلق السياسيين وعلماء الاجتماع تدريجياً خوفاً من أية حروب أهلية صغيرة محتملة داخل المدينة، لاسيما وأن كل جماعة كانت تقطن حياً مستقلاً منها، وتتراكم فيه، وتبذل جهوداً جادة للاحتفاظ بهويتها القومية. مثل ما كان يحدث في الحي الإيطالي تحديداً، عندما يفتحون نوافذهم صباحاً في وقت واحد، ويغنون الأغاني القومية الإيطالية، لإشاعة الشعور القومي وإبقاء جذوته مشتعلة، ثم ينزلون معاً إلى أعمالهم ومصانعهم، مستبدلين اللغة الإيطالية بالإنجليزية من أجل لقمة العيش، قبل أن يعودوا مساء لارتداء قبعاتهم القومية، والنوم في إيطاليا الصغيرة داخل نيويورك، كذلك كان دأب كل الأعراق الأخرى، لاسيما الآيرلندية، والألمانية، والإنجليزية، واليهود، واليونانيون،و اللاتينيين, والصينيين مما أبطأ عملية الاندماج التي كان يحلم بها سياسيو المدينة.
الأسوأ من ذلك، أن أغلب المهاجرين كانوا من الطبقات الأفقر في أوروبا والعالم، غير المتعلمة، وبدون ثقافة محرضة على الحوار والتبادل المعرفي والحضاري، وأيضاً، بخلفيات محتقنة بتاريخ من الحروب والكراهية والعنصرية، واختلاف المرجعيات الدينية، كما أن غالبيتهم لم تكن مؤهلة مهنياً لإنتاجية جيدة، وبدون مهارات، وبعاهات وأمراض منتشرة بينهم بشكل مخيف، وبالعديد من الأطفال الذين ينوء بهم كاهل كل أسرة، مما حدا بأحد المؤرخين آنذاك أن وصف نوعية تلك الهجرة المتزايدة بوصفٍ ثقيل لا يمكن تصوره بسهولة، عندما قال ((أوروبا تتقيّأ علينا))، ولكن الجزيرة الصغيرة التي كانت تتوقف عندها سفن المهاجرين عند مدخل نيويورك ظلت فاتحة ذراعيها للجميع، بدون أي انتقائية، ومن ورائها تمثال الحرية الذي حفرت فيه قصيدة إيما لازوريس الشهيرة (أم المنفيين)، وهي تعبر بلسان حال نيويورك للمهاجرين: ((أعطوني تعبكم، فقركم، وحنينكم المحتشد للتنفس بحرية...)).
توقف قليلا ليلتقط أنفاسه ...تناول منديلا ورقيا من امامه ومسح به جبهته .....وتابع موجها سؤاله لطلابه
"هل تعلمون كيف تم حل هذه المعضلة؟"
توقف لحظات فلم يجب احد....فتابع....
"المال والاقتصاد كانوا هما الحل...... لا رجال السياسة، ولا رجال الثقافة، ولا رجال الدين، ولا أساتذة الجامعات، ولا علماء النفس والاجتماع استطاعوا حل هذه المشكلة، بينما، وبدون قصد، استطاع رجال الاقتصاد حلها بنجاح كبير. ولقد تحققت بذلك معجزة اقتصادية تدعو العالم إلى مراجعة مفهومه حول الاقتصاد كعلم مالي، إلى كونه علماً اجتماعياً في الأصل، ذا أدوات مالية، قادراً على المساهمة الفعالة في حل المشكلات الثقافية المستعصية. وللتاريخ القديم شواهد أكثر بلاغة على نجاح الاقتصاد حيث تفشل السياسة،وخصوصا تاريخنا الإسلامي ألم يتمكن التجار المسلمين من دخول بلدان حصينة بسلام ونشر الإسلام فيها بينما عجز عنها قادة الجيوش؟ ولطالما استعصى على الغزاة أن يوحدوا شعبين أو دينين على الأكثر، تحت حكم واحد، إلا لأجل مسمى فقط، وبأدوات قمعية قاسية جداً. نيويورك كانت نسخة القرن العشرين من هذه النظرية، ذات التطبيق الأكثر وضوحاً، عندما استطاع تجار نيويورك، واقتصاديوها أن يوحدوا دولاً بأكملها في مدينة واحدة.
إن أي اعلان عن فرصة عمل جديدة كان يقف امامه طابور يصعب وصفه ... إيطاليون، وآيرلنديون، وألمان، وصينيون، وصقليون، ويونانيون، ويهود، وكاثوليك، وبروتستانت، وارثوذكس, ومسلمين , وهندوس كلهم استطاعوا قراءة إعلان الوظيفة المكتوب بالحروف الإنجليزية رغم اختلاف ألوان عيونهم واتساعها، وكلهم اتفقوا على حاجات مشتركة، وانخرطوا في عملهم كفريق واحد. هذه الماكينة الاقتصادية الهائلة كانت من الحنكة بحيث استغلت كل هذه الطاقات الهائلة في بناء مشاريع جبارة حتى بمقاييسنا الحالية، وليس بمقاييس القرن الماضي. وأسهمت في إبقاء نيويورك كأقوى مدينة اقتصادية في العالم طوال القرن وحتى الآن، بل أيضاً ساهمت بشكل فعال في هضم كل الجنسيات المختلفة، وإعادة تدويرها لتفرز سكاناً مخلصين للمدينة الحلم، وهنا مربط الفرس، لقد كسبت نيويورك رهانها مع العالم على تحويل المهاجرين المعدمين الذين جاؤوا من أصقاع الأرض، إلى مواطنين مخلصين، متفانين في حب مدينتهم الجديدة، بينما تعجز دول أخرى عن جني هذا الانتماء من مواطنيها الذين ولدوا وتربوا علي ارضها."
تعالت الهمهمات داخل المدرج ....
"هل هناك أي استفسار او سؤال؟"
وقف شاب نحيل اسمر ...اكرت الشعر اسوده ..يرتدي قميصا ازرق واضح انه قديم لكنه نظيف ومكوي بعناية ....ذكره بقميص كان له من قبل .....فابتسم قائلا
"عرفنا بنفسك ؟"
"سالم سليمان ....." ثم صمت ...... وانطلقت من وسط المدرج صيحة..."التيهي"...وانفجر المدرج بأكمله في الضحك.....
لوح دكتور "محمد" بيده غاضبا مشيرا كي يصمت الجميع ..."هذا ما كنت اتحدث عنه ...تسخرون من زميلا لكم لمجرد انه مختلف ...انا عن نفسي "بدوي" انتمي لقبيلة الحويطات وافخر بذلك"...
ثم اتجه بنظره الي الشاب الواقف امامه قائلا..." وانت لما لم تذكر اسمك كاملا يا سالم؟"
"كلنا نعلم انك بدوي يا دكتور ....وانا فخور اني بدوي من قبيلة التياهة ولكني لم اذكر اسمي كاملا حتي لا أكون متباهيا ...ولا يفهم أني قد وقفت لأسأل لثمة صلة قرابة بيننا."
نظر له "محمد" بإعجاب وأومأ برأسه متفهما ..." ما هو سؤالك يا سالم؟"
"سؤالي ...هل كانت التجربة بهذه البساطة؟ هل تم الاندماج بهذه السهولة فقط عن طريق الاقتصاد ورأس المال؟"
"تفضل يا سالم اجلس ...سؤال رائع"
"بالطبع، لم تكن التجربة بهذه البساطة، ولم يكن العائد بدون ثمن مقدم. فشوارع نيويورك ما زالت شاهدة على أحداث، وانهيارات، وفواجع، وحرائق، وركود اقتصادي مرت بها أمريكا عامة ونيويورك خاصة خلال عمرها القصير نسبياً بين المدن، ولكنها ابتلعت مصائبها بألم، وسقطت مريضة في مراحل عديدة، ولم تمت. ولو أنها ماتت لربما تعرض أرباب توحيد العالم تحت المظلة الإنسانية إلى إحباط تاريخي طويل المدى، ولربما أدى إلى تعطيل تجارب دول ومدن أخرى، لحقت بها في مجال الاختلاط الثقافي والعرقي، وتخفيف الاحتقانات بين البشر، وإحالة أدوات الحروب إلى المتاحف. إنها ولا شك تجربة تستحق حيزاً كبيراً من التمعن التاريخي، وإعادة التصدير ثقافياً إلى أماكن أخرى من العالم، موبوءة بالتطرف، والعرقية.
إن تلك المدينة مرت بأعظم التحديات الديموجرافية التي عرفتها الإنسانية في تاريخها، واستطاعت تجاوزها بنجاح هائل، ومتى كان هذا؟ في بدايات القرن الماضي، بينما ما زالت نواح أخرى من الكوكب وبخاصة في عالمنا العربي، بعد مئة سنة من تجربة نيويورك، يقتل فيها الناس بعضهم بعضاً على الاسم، والهوية، والمذهب، والطائفة، والدين، والقبيلة، والعرق، والإقليم، رغم أنهم اتفقوا مسبقاً على العيش تحت ظل أنظمة قمعية استبدادية بسلام، ثم اندفعوا إلى قتال بعضهم بعد زوال النظام القمعي، هل بإمكانكم أعطائي أمثلة؟
انطلقت الأصوات من المدرج.......العراق - لبنان - مصر- اليمن- سوريا- ليبيا- تونس.
"حسنا يكفي...المحاضرة القادمة سأنتظر من كل منكم ورقة بحثية يناقش كل منكم فيها الأسباب تحت عنوان (كيف يوحدنا القمع وتفرقنا الحرية ) انتهت المحاضرة اراكم الأسبوع القادم ان شاء الله.
لملم أوراقه وغادر المدرج...هذا يوم مشهود من أيام حياته اول محاضرة يلقيها بمفرده ....كان يعلم ان مهمته ثقيلة والطريق لهدفه طويل. كان مقتنعا ان لكل امة ثرواتها ومواردها وأهم عناصر تلك الثروات هي الانسان نفسه .....إن السياسة في اللغة مصدرها "ساس" فيقال ساس الدابة او الفرس : أذا قام علي امرها من العلف والسقي والترويض والتنظيف وغير ذلك, فما بالنا عندما نسوس ونرعي أبنائنا من الطلاب ,فما بالنا عندما نسوس اجيالنا التي تخلفنا .
كان مقتنعا ان أبناء الجيل الحالي من طلابه مليئين بالخير الذي في حاجة الي التنقيب عليه في اعماقهم, أبناء الجيل الحالي علتهم الاتربة وتراكمت عليهم وطمستهم كما يطمس الزمن أثار الاسلاف القدماء, أنهم جواهر مكنونة طمستها عوامل الفساد السياسي وسوء الإدارة.
وقد اخذ علي عاتقه رغم حداثة سنه ان يحاول علي قدر استطاعته أن يزيل التراب والوسخ عن تلك الجواهر , وها هو قد بدأ اول خطوة.
كان يفضل دائما السير حتي منزله القريب ...دخل المنزل نزع عنه ثيابه ...توضأ وصلي العصر...ارتدي جلبابه الأبيض الناصع وغادر المنزل الي موقف الاتوبيس ....قرر ان يسافر هذه المرة بالجلباب شيء لم يفعله منذ مدة طويلة جدا........اليوم موعد سفره الأسبوعي الي اهله في سيناء ...... يذهب فور وصوله الي قبر ابيه ليقرأ له الفاتحة....ثم يتجه بعد ذلك الي حضن امه ....لتبدأ كعادتها كل أسبوع في عرض العرائس عليه......هو في رأي امه اصبح عانس....لم يكن رافضا للزواج لكنه لم يجد له وقتا من قبل ....كانت أهدافه واضحة لا يريد ان تقف أي عقبة في طريق تحقيق أهدافه, اما الان فالوضع قد تغير حقق معظم أهدافه الشخصية....ها هو قد اصبح أستاذا جامعيا ملئ السمع والبصر.....إذا لا مانع ان يري عرائس امه عله يجد فيهن من تناسبه......
وصل الي شباك التذاكر قطع تذكرة ثم صعد الي الاتوبيس المتجه الي العريش...................يتبع...........

الجمعة، 16 أغسطس 2013

كاليجولا

كاليجولا وتعني الحذاء العسكري الروماني باللاتينية.......حكم روما وهو شاب في ال25 من عمره.....بدأ حكمه بالذهاب الي مجلس الشيوخ المكون من 500 فرد هم الاقوي نفوذا في الامبراطورية.....ذهب اليهم ليداهنهم وقال لهم ما يحبون سماعه وطلب منهم ‫#‏التفويض‬ في الصلاحيات وفعلا حصل علي ما اراد ........بل أعطاه المجلس صلاحيات لم يعطيها لامبراطور من قبله....لمدة 6 أشهر كان كاليجولا مثال رائع للحاكم ثم اصبح اكبر طاغية مجنون في التاريخ.......
حتي اتت النهاية وهو يبلغ من العمر 29 عاما....... فذات يوم استبدت به البارانويا عندما رأي أحد رجاله يدعي "ميريا" يتناول عقارا ما، فظن أنه يتناول دواءا مضادا للسم خوفا من أن يقوم كاليجولا بقتله، وهكذا قرر كاليجولا أن يقتله لأنه ظن به السوء وأنه كان من الممكن أن يرغب فعلا في قتله بالسم، و بهذا فهو قد حرمه من تلك المتعة ! فقتله كاليجولا ، على الرغم من أن ميريا كان يتناول عقارا عاديا!!و ازداد جنون كاليجولا عن حده، حتي جاءت لحظة الحادثة الشهيرة، والتي أدت الي مصرعه في النهاية، إذ دخل كاليجولا مجلس الشيوخ ممتطيا صهوة جواده العزيز"تانتوس" ، ولما أبدي أحد الاعضاء اعتراضه علي هذا السلوك، قال له كاليجولا: أنا لاأدري لم أبدى العضو المحترم ملاحظة علي دخول جوادي المحترم على الرغم من أنه أكثر أهمية من العضو المحترم، فيكفي أنه يحملني "! و طبعا كعادة الحاشية هتفوا له، وأيدوا قوله، فازداد جنونه، وأصدر قرارا بتعيين جواده العزيز عضوا في مجلس الشيوخ! و طبعا هلل الأعضاء لحكمة كاليجولا في تعبير فج عن النفاق البشري، وانطلق كاليجولا في عبثه إلي النهاية، فأعلن عن إقامة احتفال بمناسبة تعيين جواده المحترم عضوا في مجلس الشيوخ، وكان لابد علي أعضاء المجلس حضور الحفل بالملابس الرسمية . و يوم الحفل فوجئ الحاضرون بأن المأدبة لم يكن بها سوي التبن والشعير! فلما اندهشوا قال لهم كاليجولا: إنه شرف عظيم لهم أن يأكلوا في صحائف ذهبية ما يأكله حصانه، وهكذا أذعن الحضور جميعا لرغبة الطاغية وأكلوا التبن و الشعير! إلا واحدا كان يدعي براكوس رفض ذلك، فغضب عليه كاليجولا وقال: من أنت كي ترفض أن تأكل مما يأكل جوادي، وأصدر قرارا بتنحيته من منصبه، وتعيين حصانه بدلا منه" !! وبالطبع هلل الحاضرون بفم مليء بالقش و التبن واعلنوا تاييدهم لذلك المجنون!.
إلا أن "براكوس " قد ثار وصرخ في وجه كاليجولا والأعضاء معلنا الثأر لشرفه، وصاح في أعضاء مجلس الشيوخ": إلي متي يا أشراف روما نظل خاضعين لجبروت كاليجولا "، وقذف حذاءه في وجه حصان كاليجولا، و صرخ: " يا أشراف روما افعلوا مثلي، استردوا شرفكم المهان" ، فاستحالت المعركة بالأطباق و بكل شيء وصلت إليه أيديهم، وتجمع الأعضاء و أعوان كاليجولا عليه حتي قضوا عليه وقتلوه، وقتلوا حصانه أيضا، ولما وصل الخبر الي الشعب، خرج مسرعا و حطم كل تماثيل كاليجولا أيضا وتماثيل أفراد عائلته

الخميس، 20 يونيو 2013

العميان


 يقولون...

انه خلال النوم ...

الروح ترحل بعيدا،

و إن حدث أن استيقظت قبل أن تعود إلي جسدك فستجد نفسك في كابوس بلا نهاية .....

غارقا في الذهول و الرعب ,

بلا صوت بلا قدرة ,

 إلى ان تعود أليك.

لا يجب ان انهض قبل ان تعود روحي.......هكذا حدثتني نفسي .... غير أنى لم أكن نائما حين اخذت مني روحي في ذلك اليوم .... كنت على فراشي انتظر عودة روحي....

كانت احداث الامس راسخة في ذهني .....

يناير 1992

صبي صغير في الصف الثالث الاعدادي كنت امين اتحاد طلاب مدرستي .... وامين اتحاد طلاب إدارة العريش التعليمية ....و امين مساعد اتحاد طلاب مديرية شمال سيناء....مفعم بالأمل والحماس...اقف امام ذلك المبني الحكومي العتيق....المسمى بالمجلس المحلي ....حاملا علي ظهري حقيبة بها كاميرا كوداك كنت قد استعرتها من قريب لي ابيه يعمل ببلاد النفط....وبعض كتبي وشطائر المفتقة التي تصر امي ان احملها معي أينما كنت ....كنت نحيفا جدا و كانت امي مقتنعة تمام الاقتناع ان المفتقة هي الحل السحري لهذه المعضلة......كنت اكره المفتقة ....التي تجعل من يأكلها يطفح برائحة الحلبة الصفراء من كل افرازات جسده.....وانا اكره الحلبة ورائحتها.......لكن كنت مضطرا لاصطحاب المفتقة حتي لا تغضب امي......

اجتزت باب المبني العتيق .... واتجهت رأسا الي الدور الثاني حيث مكاتب الموظفين كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحا بقليل وكان اليوم الاثنين...كما توقعت تقريبا لم أجد أحدا من الموظفين على مكتبه أخرجت الكاميرا وبدأت التقط الصور للمكتب الخالي من موظفيه .... ثم الي مكتب اخر حيث تجلس امرأتين احداهما تقطف ملوخية .... والأخرى تتعامل مع حبوب البازلاء لإخراجها من غلافها الأخضر كجراح بارع.... تراجعت قليلا ثم فكرت انه ليس من الملائم تصوير المرأتين لما في ذلك من انتهاك الخصوصية......لكني قررت ان اذكر الامر .... تجاوزت المكتب ثم انتقلت الي اخر.... لأصور باقي المكاتب الخالية وعليها صحف ملقاه بإهمال وملفات متناثرة.......

" انت بتعمل ايه ياض هنا" واضعا يده على كتفي وكأنه ممسك بكتكوت.... قال محروس......

ومحروس هذا صول الشرطة المسئول عن تأمين المبني يجلس في كشك زجاجي بالدور السفلي .... ويبدوا انه اثناء قضاء حاجته في مكتب رئيس مجلس المدينة الخالي من صاحبه أيضا.......رأني اصور المكاتب ففزع واقتنع أنى شيء من اثنين اما أني جاسوس او أني إرهابي......

بلعت ريقي بصعوبة بالغة محاولا استجماع افكاري وقلت.......

" حضرتك انا باخد صور عشان خاطر مقال باكتبه لمجلة المدرسة "

" مدرسة!!!!! نهار ابوك اسود انت مش عارف ان ده ممنوع".......

 قلت وانا ارتعش

" لا والله حضرتك معرفش انه ممنوع"....

شدد قبضته على ياقة السترة التي كنت ارتديها وجرني خلفه الي صومعته الزجاجية.......ثم قام بالاتصال بشخص ما يبدوا انه شديد الأهمية لأنه طوال المكالمة كان واقفا يرتعش وعرقه يتصبب وبدلته الميري تهتز من فوق كرشه المهيب....

10 دقائق ووجدت رجل يدخل الكشك وينظر الي محروس شذرا ويقول

"هو فين"....

انتفض محروس واقفا وهو يقول "اهو يا سعات الباشا"

نظر الرجل لي في بلاهة "هو ده!!!!!!!!!!!!!!"

"ايوة يا باشا ...: كان بيصور مكاتب الموظفين وبيصور المبني"

نظر لي الرجل "انت اسمك ايه"......

"اسمي محمد"

"طيب تعالي معايا يا محمد"

"حاولت ان ابلع ريقي فلم أجد ريق......وبصوت مبحوح...قلت "على فين"

"هتعرف لما نوصل"

امسكني من يدي ووضعني في عربة فيات 128 وجلس هو بجانب السائق بالأمام حتى وصلنا الي ذلك المبني المخيف الذي كان يكفي ذكر اسمه ليرتجف له أكبر شنب في البلد......مبني امن الدولة.......

وضعني الرجل في غرفة صغيرة لا يوجد بها نوافذ بها لمبة صفراء خافتة الاضائة في سقف الحجرة وبها منضدة صغيرة ومقعد بجانب المنضدة .... وبابها حديدي مصمت .... كان علي المنضدة رزمة من الورق وقلم.....نظر لي الرجل و قال

" اقعد يا محمد انا عايزك تكتب اسمك بالكامل ومدرستك وباباك بيشتغل ايه .... واسم مدرستك وانت كنت بتعمل ايه في المجلس المحلي.... كل حاجة بالتفصيل"........ثم تركني الرجل وخرج مغلقا الباب الحديدي من وراءه...

جلست ساعتين وحيدا دموعي تنساب علي وجهي اكتب في الأوراق.....كتبت كل شيء في 10 دقائق ثم جلست افكر في صدمة ابي ....ابي المجاهد القديم و صدمته حين يعلم ان ابنه جاسوس.....

ثم .....

فتح الباب ...مسحت دموعي من علي وجهي بسرعة ودخل رجل يرتدي نظارة شمسية سوداء وقميص ازرق فاتح مفتوح الصدر وسروال جينز اسود ....

 كان الرجل يبدوا عليه انه من أولئك الرجال الذين يمشون بين قطرات المطر و لا يبتلون ابدا.....بينما انا اجلس و انا مبتل تماما تحت سقف محكم .....من حسن حظ الرجل اني لم اتناول المفتقة و إلا كانت الغرفة قد انقلبت الي زريبة من الحلبة الصفراء .

تناول الرجل ما كتبت ثم غادر الغرفة.......لم ينطق بكلمة .......

مر علي ساعتين .....و انا اتخبط في افكاري ...تري ماذا سوف يحدث لي ....و ماذا سيفعل ابي ان علم الامر ....و ماذا ستفعل امي الحبيبة ...... ثم فتح الباب و دخل رجل الامطار......." انت كنت بتعمل ايه في المجلس يا محمد"......

"حضرتك انا كنت بعمل مقال صحفي لمجلة المدرسة عن تزويغ الموظفين من شغلهم.... وكنت بصور عشان احط الصور في المجلة.....حتي حضرتك ممكن تسأل استاذ صلاح مشرف المجلة"

"سألناه وبعتنا حد يجيبه"

"حضرتك أستاذ صلاح ما يعرفش اني كنت هاصور هو كان فاكر اني هاكتب بس "

"هو قال كده برضه"

" ممكن حضرتك محدش يقول لبابا بعد اذنك......انا و الله ما عملتش حاجة.....و بعدين هما خدوا الشنطة بتاعتي...دي فيها الكتب ... والكاميرا مش بتاعتي"

"الكتب موجودة واحنا خدنا الفيلم من الكاميرا و هنرجعهالك لما أستاذ صلاح يجي ياخدك ....و مش هنبلغ الحج فتحي بس لازم تعرف اللي انت عملته ده غلط كبير وكان ممكن تخش السجن بسببه لولا اننا اتاكدنا انك ما تقصدش"

تركني الرجل وخرج دون ان ينتظر مني رد.......بعد ساعتين اخرجوني من الغرفة لاجد الأستاذ صلاح .....الذي ناله علي ما اعتقد ما نالني ......نظر لي استاذي بنظره كسيرة قائلا.......

" يالا يا محمد عشان اروحك"......اعطوني حقيبتي تأكدت من وجود الكتب ووجود الكاميرا......ولكني لاحظت اختفاء شطائر المفتقة

لم ينبس استاذي طوال الطريق بأي كلمة .....وظل يتحاشاني طوال السنة الدراسية.......

عدت الي منزلي رافضا الحديث مع أحد اخبرت امي أنى سأنام و لا اريد ان يوقظني احد دخلت غرفتي واستلقيت علي الفراش انتظر ان تعود الي روحي التي تركتها في تلك الغرفة ......

بعد عامين ......قرأت قصة لموريس ميترلنك اسمها "العميان".. وهي مستوحاة من لوحة للفنان بيتر بروجيل اسمها "الأعمى الذي يقود العميان" تتحدث القصة عن مجموعة من العميان يقودهم دليل اعمي يسيرون بخطي متعثرة وئيدة نحو الهاوية التي تنتظرهم .... ومن ورائهم تغفو القرية ساكنة ,هادئة ببيوتها البسيطة الدافئة ,لتترك العميان يسقطون.....
هكذا رأيت رجل الامطار ورفاقه رأيتهم عميان .... ورأيت من يرأسهم اعمي .....ورأيت ان هاويتهم قريبة .....و قد حدث في 25 يناير 2011

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

نضارة شمس

اليوم 27 يونيو 1995 الزينات في كل مكان بهجة بعودته سالما من اثيوبيا بعد تعرضه لمحاولة اغتيال .......فاشلة.
مملوءا بالزهو....منتفخا من السعادة.....مشرئبا بالفرحة.....اسير في طرقات قاهرة المعز....معتزا بعودته سالما...
مرددا بصوت خفيض.......لقد اتي ......لقد اتي
كنت شابا في السابعة عشر .......خرجت من مدينتي الساحلية البعيدة.....الي مدينة صاخبة تدعي القاهرة.......طالبا في كلية الطب البشري جامعة الزقازيق......كنت طالبا في الزقازيق وجل وقتي اقضيه في القاهرة مع اصدقاء عمري من مدينتي الساحلية.......
في هذا اليوم المبارك كنت احمل كتاب الفسيولوجي العزيز ومتجها الي صديق لي يسكن في ميدان المسلة بالمطرية,
ومن سوء طالعي اني كنت مضطرا للمرور بشوارع حي عرب الحصن......
و عرب الحصن ليس حيا عشوائي ......فالحي العشوائي له قواعد العشوائية.....هذا الحي خارج القواعد.......هنا يقف القانون بعيدا.....واضعا عينيه في الارض خجلا......القانون هنا....لمؤاخذه (وش كسوف).
-كابتن.
التفت الي الصوت فوجدت .....مينوتوروس يتقدم نحوي واضعا فمه صاروخا مشتعل....و حوله اربعة ثيران علي شاكلته ...
الفارق الوحيد بينه و بين المينوتوروس....ان المينوتوروس في الميثولوجيا الاغريقية مخلوق نصفه رجل ونصفه الاخر ثور و هو ابن باسيفاي زوجة مينوس و ثور ابيض كالثلج يدعي الثور الكريبتي ......اما هؤلاء السادة فاعتقد ان الثور (الحصني) لم يجد بشرية مناسبة فقام بالمهمة بمفردة فاصبح المنتج ثور كامل.
-كابتن ....النضارة الشمس اللي انت لابسها دي تخصني.
كنت مرتديا نظارة شمسية ماركة(oxygen)......جديدة لسه بشوكها بقالها 3 سنين معايا.
نظرت له بتمعن وخطر ببالي المقاومة ولكن سرعان ما تبخر هذا الخاطر سريعا جدا......
-تصدق انت ابن حلال مصفي.....انا لقيت النضارة دي من يومين علي اول الشارع ......وكنت جاي النهاردة مخصوص عشان أدور علي صاحبها....و ارجعهاله.
نزعت النظارة من علي وجهي و مدت يدي بها نحوه قائلا
-أتفضل يا معلم........المال الحلال ما بيرحش.
نظر الي الثور ....وأبتسم.....كاشفا عن صفين لولي ومد يده و أخذ النظارة من يدي وارتداها ....أشحت بوجهي متأثرا بفتنته الطاغية بعد ارتداء نظارتي الشمسية.
تركته مودعا متمنيا له .......
انه يدوبها بعرق العافية.
......................................................
بعد عامين ونيف من قيام ثورة يناير .....و خروج مبارك بسلامة الله من السجن.....لا استيعد ابدا حدوث نفس الامر...........
يذهب مبارك الي قصر الاتحادية وسط حشد من الثيران......و يقف امام باب القصر.....ويصيح باعلي صوته........
يا مرسييييييييي.........
القصر ده يخصني.

الخميس، 21 مارس 2013

الأب

السبت...الرابع من اغسطس

 وقف ينظر الي حذائه البالي المغرق بالدماء ...ثم رفع عينيه لينظر الي وجهه في المرآة المليئة بالشروخ وكأنها إنعكاس لروحه.....فتح الصنبور الصدئ...ووضع يديه المغرقة بالدماء تحت الماء الجاري.....
تناول المنشفة المتسخة ووضعها في الماء . .وحاول ان يمسح بها الدماء عن ثيابه ففشل ....
خلع حذائه وخلع قميصه وبنطاله ووضعهم في الحوض واغرقهم في الماء ترك كل شئ واتجه الي الفراش وألقي جسده عليه
وأغلق عينيه......

  **********************
الاحد.... التاسع والعشرون من يوليو

  وقف ينظر الي حذائه البالي محاولا ان يخفيه ببنطاله.....ثم رفع عينيه يتأمل القبة المهيبة داخل جامعة القاهرة تبرز متألقة بفعل انعكاس الشمس عليها....
جلس علي حافة الرصيف ينتظر.....ينتظر حلمه وامله....
هو الاستاذ (عويس مخيمر) موظف صغير بالارشيف في وزارة العدل
شارف علي التقاعد , محدود الثقافة,مخلص في عمله,حياته تسير بانتظام,
منذ اربعين عام لم يكن سوي ذلك الشاب الريفي البسيط القادم من اعماق الصعيد الذي هجر قريته النائية إلي قاهرة المعز....وهو يري في هجرته تقدما في السلم الاجتماعي وهو علي استعداد ان يدفع ثمن هذا التقدم ............
كان الرحيل الي المدينة الصاخبة مغامرة محفوفة بالمخاطرة سواء اراد ام ابي....لكنه كان مفعما بالأمل وكان هذا الأمل هو ما يطفئ كآبته وحنينه. إلي ارضه وأهله......
بأستمرار كان يشعر بمرارة تجتاح صدره...لكنه رغم تلك المرارة فخور بما احرزه من نجاح....اليوم هو اب لولد وحيد في السنة النهائية بكلية الحقوق الاول علي دفعته لثلاث سنوات.....
محمود ... ...
عندما كان هو شابا صغيرا كان كل ما يلي محطة القطار في قريته غامضا و مجهولا.....
الوضع مختلف بالنسبة لمحمود فقد ولد في القاهرة.....وكل شئ في متناول يده ولن يشعر بالكآبة ولن يكون من نصيبه مرار الغربة.....
وهو يري في شهادة ابنه الجامعية نجاحا شخصيا له يعني مزيدا من الارتقاء في السلم الاجتماعي.....خاصة بعد الوعد الذي حصل عليه من معالي وزير العدل شخصيا بتعيين محمود في النيابة العامة فور تخرجه.....
-ايه اللي جابك يا حج عويس .....التفت الي محدثه ... ...
شاب في العشرين من عمره اسمر البشرة يمتلئ بالحيوية وجهه بشوش ... .
-النهاردة يوم نتيجتك مش عايزني أجي ده اليوم اللي قعدت عمره كله استناه
نظر الي وجه ولده الوحيد في حبور وفخر ... ...
هذا الشاب ينتمي اليه.....
من طبائع الامور ان يكون الاب هو المثل الاعلي لابنه حتي لو لفترة قصيرة من الزمن....لكن العلاقة بين الاثنين كانت مختلفة كان محمود هو المثل الاعلي لابيه ... ..كان عويس ينظر لابنه علي انه البطل المغوار القادر علي فعل كل شئ...واي شئ... -ها.....طمني ايه الاخبار
-عيب يا حج...جيد جدا مع مرتبة الشرف....و الاول علي الدفعة
لم يتمالك عويس نفسه من الفرحة وقف وبكي واحتضن ولده و حاول ان يقبل يد ولده .....سحب محمود يده من ابيه فقبل ابيه رأسه....انحني محمود علي يد ابيه يقبلها ثم قبل رأسه.
-ربنا يبارك فيك يا حج كله بدعواتك وبدعوات امي...
-مستقبلك مفتوح يا ولدي ان شاء الله انا كلمت معالي الوزير وهو قالي يخلص وهيتعين في النيابة
-و انت قابلت الوزير فين بس يا حج.
-ما يغركش يا ابني اني موظف صغير ...انا كل الوزارة تعرفني والوزير الجديد ابن حلال.....امك مستنياك في البيت يالا نروح
-لا يا حج انا ورايا مشوار صغير هخلصه وارجع البيت علي طول.
عاد للمنزل وحده ليبلغ زوجته بنجاح فلذة كبدهما ... ...و يناقشا سويا مستقبله الباهر المنتظر ... ..
طال الوقت ولم يأتي محمود سيطر الصمت والترقب علي المنزل.....
رنين الهاتف يقطع حبل الصمت......يرفع سماعة الهاتف يأتيه الصوت من الطرف الاخر باردا كالثلج.....
- ده منزل الاستاذ محمود عويس.....
-ايوة وانا ابوه ... ..خير
-البقاء لله يا حج محمود مات جه عندنا مستشفي الحسين مدبوح..احنا مستنيينك في المس...
سقطت سماعة الهاتف من يده......وقفت زوجته وصرخت ... .
-في ايه يا ابو محمود ....
لم ينطق...امسكت المرأة بقميصه تهزه ... ..
-في ايه يا عويس
-محمود......مات......اندبح..
سقطت المرأة ارضا...

************************
الاثنين....الثلاثون من يوليو

 وقف ينظر الي حذائه البالي المغطي بتراب المقابر.....ثم رفع عينيه ونظر الي الي القبرين ... ..
منذ لحظات دفن امله و سكنه إبنه و زوجته .......مثله الأعلي ورفيقة دربه و شقائه .....
دار بعينيه ينظر فيمن حوله من اولاد اعمامه واقاربه....وقال
-وين هريدي
برز له من بين الجمع شابا ضخما يحمل مدفع ألي علي كتفه
-اني هنا يا خال.
مد يده يعطيه لفافة وقال...
-خد يا ولد دول....تنزل مصر و معاك الرجالة و ما ترجعش غير و هو في يدك و أياك حد يمسه.
تناول هريدي اللفافة وقال.....
-حاضر يا خال.
بعد موت محمود علم ان قاتله يدعي -سعيد كاباكا- بلطجي و قاطع طريق وتاجر مخدرات من الجمالية اوقف محمود و هو في طريقه للمنزل و طالبه بمحفظته وهاتفه المحمول.....وعندما رفض محمود اعطائهم له ذبحه ... ...هكذا وبكل بساطة....ذبحه... عند الذهاب للقسم وجدوا القسم مغلقا بدعوي ان الشرطة عندها اضراب.....ذهب الي المستشفي اخذ جثة ولده رافضا تشريحها ... .و اصطحب جثة زوجته معه وذهب الي قريته في اسيوط لدفنهم ... ...و لم يتقبل عزاء.....باع ارضه ودفع بالنقود لهريدي ليأتيه بكاباكا.

 ****************************
  السبت .....الرابع من اغسطس
وقف ينظر الي حذائه البالي وقد اصبح لامعا براقا بفعل الورنيش الاسود الذي استخدمه لتلميعه ... ...نظر الي ملابسه المهندمة و حرص علي تنسيقها....
ثم فتح الباب و دخل الغرفة وجد هريدي ومعه شخصان يقفان خلف رجل معصوب العينين مكمم الفم مقيد اليدين والقدمين باحكام في الكرسي الجالس عليه......
-جبت الحاجات اللي قلتلك عليها يا هريدي.
-جبتها و عندك في الشنطة اللي عنديك دي يا خال
-تمام خد الرجالة و اطلع برة البيت ومعايزش حد يهوب يمة البيت
-حاضر يا خال.
خرج هريدي و من معه ووقفوا امام المنزل حاملين مدافعهم الالية. مد يده يرفع العصابة عن عيني الرجل ويرفع الكمامة عن فمه....صرخ الرجل باعلي صوته..
-انتوا مين....... يا باشا انا معملتش حاجة.
-انت سعيد كاباكا.
-ايوة يا باشا انا زفت الطين.....أأمرني وانا أنفذ....بس اعتقني
-يوم الحد اللي فات ثبت شاب في الشارع ولما مرضيش انك تاخد فلوسه......دبحته....ده كان ولدي.
صرخ كاباكا باكيا وقد ادرك نهايته المحتومة
-مكانشي قصدي يا باشا اني اغزه في رقبته انا كنت بهوشه عشان يتهت المطوة جت فيه غصب عني....ابوس ايدك يابا الحج ... .ابوس رجلك...انا عندي عيال.
تجاهله عويس واتجه الي الشنطة و فتحها و اخرج منها سكينا و مطرقة و منشار....ثم نظر الي كاباكا بعينين خاويتين لا تحملان اي تعبير.....
ولمدة ست ساعات تالية كان صراخ كاباكا يخترق البلدة كلها وكأنه صراخ الشياطين قادم من اعماق الجحيم....حتي صمت نهائيا... نظر عويس الي كاباكا وقد تقطعت اطرافه و بريق الحياة انطفئ في عينيه... ...ثم فتح الباب واتجه الي الحمام.....

الاثنين، 18 فبراير 2013

البر لا يبلي

وقفت امام ماكينة النقود ساخطا......انظر الي العبارة المستفزة المرسومة علي شاشة الماكينة .....رصيدك لا يسمح......هذا معناه ان المرتب لم يحول بعد الي البنك......اليوم هو 28 في الشهر متي سيحول اذا......سحبت البطاقة الممغنطة من الماكينة..... اخرجت هاتفي المحمول واجريت اتصالا بزوجتي لاخبرها فيه ان علينا الانتظار للغد حتي تأتي النقود 
- ايوه يا حبيبتي معلش بقي الفلوس لسه ما نزلتش ناكل اي حاجة النهاردة وخلي العزومة لبكره....ماشي بطاطس وبرجر وهجيب معايا عيش كايزر وانا جاي 
 
وضعت الهاتف في جيبي ثم اتجهت الي سيارتي في الجانب الاخر من الطريق........ وجدتها تستند علي السيارة في ضعف......عجوز ترتدي فستانا اسود وطرحة خفيفة تخفي بها شعر ابيض بلون الثلج و حذاء من الواضح انه كان في يوم من الايام قيم...... لكن مرور الزمن عليه اخفي قيمته ......امتدت يد الزمن لترسم علي وجهها الابيض خطوطا متعدده .....ويديها النحيلتين تبرز فيهما اوردة زرقاء تظهر بوضوح مع بشرتها البيضاء.......هذه العجوز لو في ايطاليا لاعتبروها مثالا حي ل(لابافينا)..... انا لن اندهش ابدا لو اخرجت مقشتها الان وطارت بها لتضع الهدايا للاطفال في اسرتهم....... 
و قفت بجوارها مدت يدي لامسك يدها وقلت 
-حضرتك عايزة تروحي فين يا امي
 نظرت لي بوجه منهك محاولة رسم ابتسامة ابت ان تظهر..... 
-رايحة البنك يا حبيبي اصرف معاش ابني بس وقفت اريح شوية
 -طب تعالي يا امي انا هاوصلك 
تناولت يدها بيدي ومررت بها الطريق حتي باب البنك ودخلت معها البنك قررت ان انتهز الفرصة واسأل عن سبب تأخير نزول راتبي في الحساب دخلنا البنك سويا وهي مستندة الي ذراعي.......وصلت معها الي شباك الصراف المسئول عن المعاشات و تركتها وذهبت الي احد مسئولي البنك......وبعد نقاش قصير وصلت معه الي الكلمة الخالدة التي يقولها كل موظف حكومي في حكومتي المبجلة.........(فوت علينا بكرة يا سيد)...... 
خرجت من باب البنك و(قفايا يقمر عيش) كما يقولون.............
خارج باب البنك وجدت (لابافينا)العجوز واقفة منحنية تستند علي عكازها القديم 
-صرفتي المعاش يا امي........ نظرت الي بعينيها الرماديتين وخصلات شعرها الابيض تتدلي خارج طرحتها السوداء........ 
-لا يا حبيبي قالولي لسه ما جاش.......انت عارف يا ابني أنا ابني احمد مات في اسوان وهو بيبني السد العالي .....اول ما اتخرج من كلية الهندسة راح اسوان ومات هناك كان هو اللي لي في الدنيا كلها بعد ابوه ما مات وهو صغير ........الريس عبد الناصر الله يرحمه قرر انه يصرفلي معاش كامل ......عبد الناصر كان راجل جدع وكرمني كذا مرة كأم مثالية.........ولما مات السادات كمان كرمني.........لكن بعد ما مات السادات ........الحكومة نزلت المعاش وقالولي اني لازم اخد نصيبي الشرعي بس........يعني يا ابني هي البلد وقفت علي شوية الجنيهات اللي بيدوهالي معاش لابني الشهيد.......
 سكت ولم ارد .........
ها هو وطن يهدر حكامه دماء ابناء ماتوا ليرفعوا من شأنه ......تري هل يستحق هذا الوطن من ماتوا من اجله وهل يستحق هذا الوطن من يحكموه 
-هو حضرتك بتصرفي المعاش يوم كام في الشهر
 -يوم 28 مش النهاردة 28 برضه نظرت الي ساعتي...لأتأكد ....اليوم 28 ديسمبر 2009 
-ايوة يا امي النهاردة 28 هو حضرتك ساكنة فين؟ 
اشارت بيدها النحيلة المرتعشة الي مبني عتيق من طابقين يبدوا قزما وسط برجين شاهقين يتوسطون جميعا هذا الحي الراقي وقالت 
-في البيت اللي هناك ده .......ابو احمد الله يرحمه بناه سنة 50 احمد كان عنده 10 سنين ايامها وابوه مات بعدها بسنة......ايامها الشارع ده كان فاضي والمنطقة كلها كانت مزارع.......قعدنا في الشقة اللي فوق والشقة اللي تحت متأجرة ايجارها كان 3 جنيه ايجار قديم.......دلوقتي بعد المحايلة بقي ايجارها 150 جنيه ....أهو الايجار مع معاش ابني مكفيين وساتريني .......انا خلاص مش عايزة حاجة من الدنيا من زمان من يوم ما مات احمد......بس الشهر ده الفلوس خلصت الدنيا بقت غالية قوي........وكنت مستنية المعاش ........بس الحمد لله علي كل شيء 
عبرت الطريق مع ام احمد وادخلتها الي منزلها العتيق....... 
-معلش يا امي اصلي نسيت حاجة مهمة هاروح بسرعة اجيبها وارجع لحضرتك حالا 
تركت (لابافينا) و ذهبت الي محل بقالة قريب اشتريت بما في جيبي طعام .....لم يكن كثيرا لكنه يكفي ليومين علي الاقل.......اسرعت الي منزل ام احمد وطرقت الباب فتحت لي العجوز........ 
-اتفضلي يا امي دي حاجة بسيطة وهابقي اجي اخد تمنهم من حضرتك اول الشهر..... 
نظرت لي العجوز دامعة واخذت ما احمله بيدين مرتعشتين وقالت...... 
-الهي يا ابني يحفظك ويحفظ ولادك ويرزقك بالحلال 
خرجت من المنزل العتيق باكيا........ابكي وطن يموت صغاره ويترك كباره ليجوعون ......................
 بعد اسبوع كنت اقود سيارتي ومعي زوجتي وابنتي في طريقي الي بلدتي الساحلية وفي الطريق اختلت عجلة القيادة من يدي وانقلبت بنا السيارة اربع مرات واستقرت علي ظهرها .........خرجت من السيارة صعوبة بالغة واخرجت صغاري ثم اخرجت زوجتي ........ وياللعجب لم يصب احدا منا ولو بخدش رغم تحطم السيارة بالكامل......... جلست علي الرمال حاضنا عائلتي باكملها زوجتي وابنتي.........متذكرا دعاء (لابافينا)........ام احمد العجوز -الهي يحفظك ويحفظ اولادك ويرزقك بالحلال

الأربعاء، 6 فبراير 2013

الدماء


يقولون ان الدماء اكثر كثافة من الماء.........
يقولون ان الدماء هي ما يحدد هويتنا هي ما يربطنا.......
يقولون انها المسئولة عن اللعنات التي تصيبنا والنعم التي نتلقاها......
فهي للبعض من اصحاب الدماء الزرقاء تعني الثروة والسلطة والتربع فوق القوانين........
وتعني للبعض الاخر الخلود للعبودية......
يقولون انها سر الحياة...
السكون يتغمد الكون من حوله.....راقدا علي ظهره متأملا النجوم تتلألأ في السماء ....
هاتان النجمتان تشبه عينيها ....
وهذه المجموعه ترسم وجهها تذكر ضحكتها وهي تقبله......
تذكر دموعها وهي تحضنه في اخر وداع......
ثم تذكر غضبها وهي تدرك انه لن يبقي معها رغم الوعد.......
 -انت قولت هتفضل معايا عشان نروح النادي......هتفت غاضبة وهي تختبيء في غرفتها .........
-معلش يا حبيبتي .....بابا لازم ينزل النهاردة........قالت والدتها محاولة تلطيف الاجواء بيننا........
 ثم التفتت ناحيته وقالت....
-كنت عايزة انزل معاك النهاردة.......
ربت علي ظهرها .....
-بلاش النهاردة يا حبيبتي انتي شوفتي يوم 25 كان ازاي والنهاردة الوضع مش سهل.....
التفت الي الحائط ونظر الي نتيجة معلقة تشير الي تاريخ اليوم 28-1-2011.....
تجاوز زوجته متجها الي غرفة ابنته فتح ذراعيه ونزل علي ركبتيه ..... ...
-مين هيحضن بابا قبل ما ينزل عشان بابا يوديه النادي لما يرجع
اتت مهرولة ناحيته فاتحة ذراعيها  وهتفت.....
-انا
 خرج من منزله متجها اي الميدان مشحونا بذلك الشيء السخيف الذي يدعونه الامل......
تذكر صلاة اليوم بمسجد الاستقامة وذلك الرجل الذي كانوا ينتظرون نزوله معهم بفارغ الصبر.......
تري اين ذهب انه لم يراه منذ قام الجنود برشهم بالمياه ......
اختفي.....
كحبة ملح ذابت في المياه الباردة التي رشتهم........
لا يهم ........
كان مصمما هو ورفاقه علي الوصول للميدان .....
علي كوبري قصر النيل وجدوا الحشود من الأردية السوداء تستقبلهم........
وقفوا.....
انهم لا يريدون الصدام مع احد ان كل ما يتطلع اليه هو ورفاقه العدل والسلام......
طالت الوقفة حتي صلاة العصر......
قرروا اقامة الصلاة علي الكوبري تقدم شخص ملتحي ليؤم الصلاة ووقفوا صفوفا خلفه.....
كان يقف خلف الامام مباشرة.....قال الامام الله أكبر........
وكأنهم كانوا ينتظرون هذه الكلمة وكأنها كلمة السر اندفعت العربات المصفحة بأتجاههم .........صدمت الإمام....... رفع رأسه رأي الإمام يطير في الهواء .......
قرأ الشهادة ولم يتحرك من مكانه.....
ثم......
طار هو ايضا ولكن ملتصقا بالعربة من الكوة الصغيرة رأي السائق للحظة قبل ان يرتد ملقي علي الارض.......
مر كثير من الوقت؟......لا يدري .....الكون الان ساكن من حوله وهو ينظر للنجوم .......
كان الامر في البداية مؤلم...... أما الان فلا........
نظر بعينيه جانبا ورفع يده وجد دماء حمراء تسيل منه وتروي الاسفلت من حوله......
تسائل في نفسه هل سيحاسب اصحاب الدماء الزرقاء علي ما فعلوه به؟.............
يقولون ان الدماء اكثر كثافة من الماء .........
يقولون ان الدماء هي ما تحدد هويتنا وتربطنا........
يقولون ان الدماء هي المسئولة عن اللعنات التي تصيبنا والنعم التي نتلقاها..........
يقولون ان الدماء هي سر الحياة........... 
والموت

الفجر


حاجبا نفسه عن الانظار رافعا كتفيه حانيا رأسه الي الامام...... عبر الطريق بسرعه الي الجهة الاخري حيث من المفترض عبور شئ ما يحمله الي عمله.......
مازالت انوار الفجر تحاول جاهدة تمزيق حجب الليل .....يوم اخر ملبد بالغيوم......سياسية كانت او بفعل الشتاء.....لم يعد
 -كحال عامة الشعب- يستطيع تحديد الصواب من الخطيء .....
يا رب استرها........
 التفت ناحية الصرخة التي مزقت استار السكون الخالد من حوله........رجل في العقد الرابع من عمره يرتدي بنطلون جينز اكل عليه الزمان وشرب تاركا الكثير من بقع الزيت الحار وكثير من بقع الشاي.....ويرتدي كنزة حمراء و قلنسوة سوداء
و .....شبشب بصباع...
يجلس علي الرصيف يسند وجهه بيده اليسري وينظر الي الاعلي......
- انت بس اللي عارف ......محدش عارف الموضوع غيرك.......الحدوتة دي غصب عني مش بمزاجي......انا ماليش في الموضوع ده
 واصل الرجل حديثه مع الفراغ......ثم التفت ناحيته .....ارتجف الشاب حين التقت عيناه بعيني الجالس ارضا...... عيناه حمراء بلون الدم ...
انزل عينيه  وكأنه تذكر فجأة ان عليه مراقبة حذائه......... 
واصل الرجل حديثه للفراغ بصوت منخفض بعدما تنبه لوجوده....
-انت بس اللي قدامي......الشياطين التانيين ماليش دعوة بيهم......انت اللي ورطتني ......
 رفع الشاب عينيه مرة اخري وجد الرجل عاد للنظر الي الفراغ.....
الناس خلاص بقت تكلم نفسها في الشارع وكمان بقت بتكلم الشياطين والعفاريت عيني عينك ......
تردد ذلك الكلام في رأس الشاب.....
لعن اليوم الذي اتي به الي هذه الناحية ولعن عمله اللذي يتقاضي عليه 500 جنيه مع مطلع كل اول شهر ويجبره علي الوجود في هذا الشارع يوميا في هذا الوقت......
تمالك نفسه واعصابه ووضع يده في جيبه واخرج جنيها كرمشه في كفه واتجه الي الرجل و وضعه في يده.....نظر الرجل اليه و قبل اي رد فعل استدار الشاب وهرول مبتعدا عن الشارع.......
-عاجبك كده يا مؤة اهو في واحد افندي افتكرني بشحت واداني جنيه في ايدي وخلع.......بص من الاخر انا شغلانة بورسعيد دي ماخدش فيها اقل من 2000 جنيه علي اليوم وتيجي تاخدني بالعربية من هنا وحتة السلاح اللي هاشتغل بيها حلال علي........اتفقنا انزل يده اليسري من علي وجهه ووضع هاتفه المحمول في جيبه وجلس...........
ينتظر

الخميس، 17 يناير 2013

القادم افضل

القادم افضل......قالها لنفسه اليوم كما يقولها كل صباح.......نظر لوجهه بالمرأة متعجبا من قدرته علي النهوض في هذا البرد القارص....ان الوجود بداخل السرير الدافئ هو امله ومبتغاه لكن كطبيعة الحياة في هذا البرد القارص منذ بدأ الخليقة وحتي تنتهي لابد من شيء ما يجبرك علي الخروج.....ارنب تصطاده او نار توقدها خارج الكهف....بامبرز تأتي به عشان البابمرز خلص فجأة......يسمع التلفاز ينعق في الغرفة....السيد الرئيس يزور المصابين بمستشفي المعادي.......حادث قطار معتاد ما الجديد؟ ....بل من المفرح ان عدد القتلي في هذه المرة اقل من المعتاد.......
القادم افضل......
اكمل حلاقة ذقنه التي لم يحلقها من اسبوع كامل ثم خرج من الحمام متجها الي الدولاب .....اختار ملابسه بعناية ......بدلته الزرقاء ومعطفه الاسود .......الطقس يحتاجةالمزيد للاغراء بالخروج تناول كوفيته الحمراء ووضعها حول رقبته.......ونظر في المرأة ......كده كويس قوي ......
القادم افضل........
تناول محفظته وارتدي ساعته......تناول عطره المحبب ووضع علي ملابسه و رقبته ويديه ....شعر بانتعاش من رائحة العطر النفاذة.......وابتسم.....
القادم افضل......
ارتدي جوربه وحذائه الايطالي الذي اشتراه من سبعة اعوام ولا زال يحتفظ برونقه......
القادم افضل.....
اتجه الي النافذة وفتحها.........تنسم الهواء البارد الذي انعشه كثيرا ثم.............قفز

الخميس، 3 يناير 2013

باريس

هل يستحق الامر كل هذا.........
هل تستحق الخطيئة التي ارتكبتها في حقها كل هذه الثورة العارمة.........
وقفت أنظر اليها وهي تقف امام خزانة الملابس تخرج ملابسها وتضعها في حقيبتها دون ترتيب تلقي بها وكأنها تلقي بكل ذكرياتها معي ......عازمة علي الذهاب وتركي........يا ألهي كم من مرة سمعت منها هذا التهديد بتركي لكني لم اتصور ابدا ان تضع تهديداتها محل فعل.......مر علي شريط الذكريات ......كل لحظاتي معها.....وهي ليست بالقصيرة.....6 سنوات مرت كالحلم وهي في احضاني ......تريد ان تتركني.....الان.....
-هتروحي فين
لم تلتفت ناحيتي لم تهتم بسؤالي واصلت بوضع الملابس في الحقيبة دون اكتراث بكلينا انا والملابس
كررت سؤالي في متوسلا
-ارجوكي هتروحي فين
اطرقت برأسها ناظرة الي الارض تنظر الي دموعها التي انسابت كنهر دون مصب
-هاروح باريس
باريس مدينة النور .........تلك الحلم الذي يداعب العاشقين في كل زمان.......أتذهب هناك بمفردها.....و تتركني
تذهب وتحرمني من رائحتها.....من ملمس شعرها الناعم......من ضحكتها التي تضيء لي طريقي.......تحرمني من حرارة احضانها......وقبلاتها......
-هتروحي ازاي
واصلت القاء الملابس بداخل الحقيبة دون ان تلتفت الي قائلة
-هاروح بالعربية
هتفت متعجبا
-بالعربية ازاي يعني.....
التفتت الي غاضبة وقالت
-هاشاور للعربية.......و هاقول لعمو السواق انا عايزة اروح باريس وهو هيوديني
كتمت ضحكتي حتي لا ازيد من غضبها........ابنتي الصغيرة ذات الست سنوات.......عايزة تطفش
صاحت في قائلة
-انت وماما مش بتحبوني........انت قولت هنوديني مكدونالدز....و ما روحناش......وماما كل شوية بتزعقلي......انا هامشي واسيبكوا
نظرت اليها باسما و قولت
-خلاص يا حبيبتي سيبي الهدوم وتعالي هناخد مريم ونعدي علي ماما في الكلية ونروح مكدونالدز
تركت ملابسها ونظرت اليها بوجهها الذي اشرق كالشمس وعبراتها تتﻷﻷ علي خديها
-وهنجيب لعبة
-اه هنجيب هابي ميل ......ولعبتين ليكي ولمريم بس بشرط........مافيش باريس.....اتفقنا
هرولت نحوي فاتحة ذراعيها كي تحضنني وقالت
-ماشي اتفقنا.........