الاثنين، 18 فبراير 2013

البر لا يبلي

وقفت امام ماكينة النقود ساخطا......انظر الي العبارة المستفزة المرسومة علي شاشة الماكينة .....رصيدك لا يسمح......هذا معناه ان المرتب لم يحول بعد الي البنك......اليوم هو 28 في الشهر متي سيحول اذا......سحبت البطاقة الممغنطة من الماكينة..... اخرجت هاتفي المحمول واجريت اتصالا بزوجتي لاخبرها فيه ان علينا الانتظار للغد حتي تأتي النقود 
- ايوه يا حبيبتي معلش بقي الفلوس لسه ما نزلتش ناكل اي حاجة النهاردة وخلي العزومة لبكره....ماشي بطاطس وبرجر وهجيب معايا عيش كايزر وانا جاي 
 
وضعت الهاتف في جيبي ثم اتجهت الي سيارتي في الجانب الاخر من الطريق........ وجدتها تستند علي السيارة في ضعف......عجوز ترتدي فستانا اسود وطرحة خفيفة تخفي بها شعر ابيض بلون الثلج و حذاء من الواضح انه كان في يوم من الايام قيم...... لكن مرور الزمن عليه اخفي قيمته ......امتدت يد الزمن لترسم علي وجهها الابيض خطوطا متعدده .....ويديها النحيلتين تبرز فيهما اوردة زرقاء تظهر بوضوح مع بشرتها البيضاء.......هذه العجوز لو في ايطاليا لاعتبروها مثالا حي ل(لابافينا)..... انا لن اندهش ابدا لو اخرجت مقشتها الان وطارت بها لتضع الهدايا للاطفال في اسرتهم....... 
و قفت بجوارها مدت يدي لامسك يدها وقلت 
-حضرتك عايزة تروحي فين يا امي
 نظرت لي بوجه منهك محاولة رسم ابتسامة ابت ان تظهر..... 
-رايحة البنك يا حبيبي اصرف معاش ابني بس وقفت اريح شوية
 -طب تعالي يا امي انا هاوصلك 
تناولت يدها بيدي ومررت بها الطريق حتي باب البنك ودخلت معها البنك قررت ان انتهز الفرصة واسأل عن سبب تأخير نزول راتبي في الحساب دخلنا البنك سويا وهي مستندة الي ذراعي.......وصلت معها الي شباك الصراف المسئول عن المعاشات و تركتها وذهبت الي احد مسئولي البنك......وبعد نقاش قصير وصلت معه الي الكلمة الخالدة التي يقولها كل موظف حكومي في حكومتي المبجلة.........(فوت علينا بكرة يا سيد)...... 
خرجت من باب البنك و(قفايا يقمر عيش) كما يقولون.............
خارج باب البنك وجدت (لابافينا)العجوز واقفة منحنية تستند علي عكازها القديم 
-صرفتي المعاش يا امي........ نظرت الي بعينيها الرماديتين وخصلات شعرها الابيض تتدلي خارج طرحتها السوداء........ 
-لا يا حبيبي قالولي لسه ما جاش.......انت عارف يا ابني أنا ابني احمد مات في اسوان وهو بيبني السد العالي .....اول ما اتخرج من كلية الهندسة راح اسوان ومات هناك كان هو اللي لي في الدنيا كلها بعد ابوه ما مات وهو صغير ........الريس عبد الناصر الله يرحمه قرر انه يصرفلي معاش كامل ......عبد الناصر كان راجل جدع وكرمني كذا مرة كأم مثالية.........ولما مات السادات كمان كرمني.........لكن بعد ما مات السادات ........الحكومة نزلت المعاش وقالولي اني لازم اخد نصيبي الشرعي بس........يعني يا ابني هي البلد وقفت علي شوية الجنيهات اللي بيدوهالي معاش لابني الشهيد.......
 سكت ولم ارد .........
ها هو وطن يهدر حكامه دماء ابناء ماتوا ليرفعوا من شأنه ......تري هل يستحق هذا الوطن من ماتوا من اجله وهل يستحق هذا الوطن من يحكموه 
-هو حضرتك بتصرفي المعاش يوم كام في الشهر
 -يوم 28 مش النهاردة 28 برضه نظرت الي ساعتي...لأتأكد ....اليوم 28 ديسمبر 2009 
-ايوة يا امي النهاردة 28 هو حضرتك ساكنة فين؟ 
اشارت بيدها النحيلة المرتعشة الي مبني عتيق من طابقين يبدوا قزما وسط برجين شاهقين يتوسطون جميعا هذا الحي الراقي وقالت 
-في البيت اللي هناك ده .......ابو احمد الله يرحمه بناه سنة 50 احمد كان عنده 10 سنين ايامها وابوه مات بعدها بسنة......ايامها الشارع ده كان فاضي والمنطقة كلها كانت مزارع.......قعدنا في الشقة اللي فوق والشقة اللي تحت متأجرة ايجارها كان 3 جنيه ايجار قديم.......دلوقتي بعد المحايلة بقي ايجارها 150 جنيه ....أهو الايجار مع معاش ابني مكفيين وساتريني .......انا خلاص مش عايزة حاجة من الدنيا من زمان من يوم ما مات احمد......بس الشهر ده الفلوس خلصت الدنيا بقت غالية قوي........وكنت مستنية المعاش ........بس الحمد لله علي كل شيء 
عبرت الطريق مع ام احمد وادخلتها الي منزلها العتيق....... 
-معلش يا امي اصلي نسيت حاجة مهمة هاروح بسرعة اجيبها وارجع لحضرتك حالا 
تركت (لابافينا) و ذهبت الي محل بقالة قريب اشتريت بما في جيبي طعام .....لم يكن كثيرا لكنه يكفي ليومين علي الاقل.......اسرعت الي منزل ام احمد وطرقت الباب فتحت لي العجوز........ 
-اتفضلي يا امي دي حاجة بسيطة وهابقي اجي اخد تمنهم من حضرتك اول الشهر..... 
نظرت لي العجوز دامعة واخذت ما احمله بيدين مرتعشتين وقالت...... 
-الهي يا ابني يحفظك ويحفظ ولادك ويرزقك بالحلال 
خرجت من المنزل العتيق باكيا........ابكي وطن يموت صغاره ويترك كباره ليجوعون ......................
 بعد اسبوع كنت اقود سيارتي ومعي زوجتي وابنتي في طريقي الي بلدتي الساحلية وفي الطريق اختلت عجلة القيادة من يدي وانقلبت بنا السيارة اربع مرات واستقرت علي ظهرها .........خرجت من السيارة صعوبة بالغة واخرجت صغاري ثم اخرجت زوجتي ........ وياللعجب لم يصب احدا منا ولو بخدش رغم تحطم السيارة بالكامل......... جلست علي الرمال حاضنا عائلتي باكملها زوجتي وابنتي.........متذكرا دعاء (لابافينا)........ام احمد العجوز -الهي يحفظك ويحفظ اولادك ويرزقك بالحلال

الأربعاء، 6 فبراير 2013

الدماء


يقولون ان الدماء اكثر كثافة من الماء.........
يقولون ان الدماء هي ما يحدد هويتنا هي ما يربطنا.......
يقولون انها المسئولة عن اللعنات التي تصيبنا والنعم التي نتلقاها......
فهي للبعض من اصحاب الدماء الزرقاء تعني الثروة والسلطة والتربع فوق القوانين........
وتعني للبعض الاخر الخلود للعبودية......
يقولون انها سر الحياة...
السكون يتغمد الكون من حوله.....راقدا علي ظهره متأملا النجوم تتلألأ في السماء ....
هاتان النجمتان تشبه عينيها ....
وهذه المجموعه ترسم وجهها تذكر ضحكتها وهي تقبله......
تذكر دموعها وهي تحضنه في اخر وداع......
ثم تذكر غضبها وهي تدرك انه لن يبقي معها رغم الوعد.......
 -انت قولت هتفضل معايا عشان نروح النادي......هتفت غاضبة وهي تختبيء في غرفتها .........
-معلش يا حبيبتي .....بابا لازم ينزل النهاردة........قالت والدتها محاولة تلطيف الاجواء بيننا........
 ثم التفتت ناحيته وقالت....
-كنت عايزة انزل معاك النهاردة.......
ربت علي ظهرها .....
-بلاش النهاردة يا حبيبتي انتي شوفتي يوم 25 كان ازاي والنهاردة الوضع مش سهل.....
التفت الي الحائط ونظر الي نتيجة معلقة تشير الي تاريخ اليوم 28-1-2011.....
تجاوز زوجته متجها الي غرفة ابنته فتح ذراعيه ونزل علي ركبتيه ..... ...
-مين هيحضن بابا قبل ما ينزل عشان بابا يوديه النادي لما يرجع
اتت مهرولة ناحيته فاتحة ذراعيها  وهتفت.....
-انا
 خرج من منزله متجها اي الميدان مشحونا بذلك الشيء السخيف الذي يدعونه الامل......
تذكر صلاة اليوم بمسجد الاستقامة وذلك الرجل الذي كانوا ينتظرون نزوله معهم بفارغ الصبر.......
تري اين ذهب انه لم يراه منذ قام الجنود برشهم بالمياه ......
اختفي.....
كحبة ملح ذابت في المياه الباردة التي رشتهم........
لا يهم ........
كان مصمما هو ورفاقه علي الوصول للميدان .....
علي كوبري قصر النيل وجدوا الحشود من الأردية السوداء تستقبلهم........
وقفوا.....
انهم لا يريدون الصدام مع احد ان كل ما يتطلع اليه هو ورفاقه العدل والسلام......
طالت الوقفة حتي صلاة العصر......
قرروا اقامة الصلاة علي الكوبري تقدم شخص ملتحي ليؤم الصلاة ووقفوا صفوفا خلفه.....
كان يقف خلف الامام مباشرة.....قال الامام الله أكبر........
وكأنهم كانوا ينتظرون هذه الكلمة وكأنها كلمة السر اندفعت العربات المصفحة بأتجاههم .........صدمت الإمام....... رفع رأسه رأي الإمام يطير في الهواء .......
قرأ الشهادة ولم يتحرك من مكانه.....
ثم......
طار هو ايضا ولكن ملتصقا بالعربة من الكوة الصغيرة رأي السائق للحظة قبل ان يرتد ملقي علي الارض.......
مر كثير من الوقت؟......لا يدري .....الكون الان ساكن من حوله وهو ينظر للنجوم .......
كان الامر في البداية مؤلم...... أما الان فلا........
نظر بعينيه جانبا ورفع يده وجد دماء حمراء تسيل منه وتروي الاسفلت من حوله......
تسائل في نفسه هل سيحاسب اصحاب الدماء الزرقاء علي ما فعلوه به؟.............
يقولون ان الدماء اكثر كثافة من الماء .........
يقولون ان الدماء هي ما تحدد هويتنا وتربطنا........
يقولون ان الدماء هي المسئولة عن اللعنات التي تصيبنا والنعم التي نتلقاها..........
يقولون ان الدماء هي سر الحياة........... 
والموت

الفجر


حاجبا نفسه عن الانظار رافعا كتفيه حانيا رأسه الي الامام...... عبر الطريق بسرعه الي الجهة الاخري حيث من المفترض عبور شئ ما يحمله الي عمله.......
مازالت انوار الفجر تحاول جاهدة تمزيق حجب الليل .....يوم اخر ملبد بالغيوم......سياسية كانت او بفعل الشتاء.....لم يعد
 -كحال عامة الشعب- يستطيع تحديد الصواب من الخطيء .....
يا رب استرها........
 التفت ناحية الصرخة التي مزقت استار السكون الخالد من حوله........رجل في العقد الرابع من عمره يرتدي بنطلون جينز اكل عليه الزمان وشرب تاركا الكثير من بقع الزيت الحار وكثير من بقع الشاي.....ويرتدي كنزة حمراء و قلنسوة سوداء
و .....شبشب بصباع...
يجلس علي الرصيف يسند وجهه بيده اليسري وينظر الي الاعلي......
- انت بس اللي عارف ......محدش عارف الموضوع غيرك.......الحدوتة دي غصب عني مش بمزاجي......انا ماليش في الموضوع ده
 واصل الرجل حديثه مع الفراغ......ثم التفت ناحيته .....ارتجف الشاب حين التقت عيناه بعيني الجالس ارضا...... عيناه حمراء بلون الدم ...
انزل عينيه  وكأنه تذكر فجأة ان عليه مراقبة حذائه......... 
واصل الرجل حديثه للفراغ بصوت منخفض بعدما تنبه لوجوده....
-انت بس اللي قدامي......الشياطين التانيين ماليش دعوة بيهم......انت اللي ورطتني ......
 رفع الشاب عينيه مرة اخري وجد الرجل عاد للنظر الي الفراغ.....
الناس خلاص بقت تكلم نفسها في الشارع وكمان بقت بتكلم الشياطين والعفاريت عيني عينك ......
تردد ذلك الكلام في رأس الشاب.....
لعن اليوم الذي اتي به الي هذه الناحية ولعن عمله اللذي يتقاضي عليه 500 جنيه مع مطلع كل اول شهر ويجبره علي الوجود في هذا الشارع يوميا في هذا الوقت......
تمالك نفسه واعصابه ووضع يده في جيبه واخرج جنيها كرمشه في كفه واتجه الي الرجل و وضعه في يده.....نظر الرجل اليه و قبل اي رد فعل استدار الشاب وهرول مبتعدا عن الشارع.......
-عاجبك كده يا مؤة اهو في واحد افندي افتكرني بشحت واداني جنيه في ايدي وخلع.......بص من الاخر انا شغلانة بورسعيد دي ماخدش فيها اقل من 2000 جنيه علي اليوم وتيجي تاخدني بالعربية من هنا وحتة السلاح اللي هاشتغل بيها حلال علي........اتفقنا انزل يده اليسري من علي وجهه ووضع هاتفه المحمول في جيبه وجلس...........
ينتظر