الخميس، 21 مارس 2013

الأب

السبت...الرابع من اغسطس

 وقف ينظر الي حذائه البالي المغرق بالدماء ...ثم رفع عينيه لينظر الي وجهه في المرآة المليئة بالشروخ وكأنها إنعكاس لروحه.....فتح الصنبور الصدئ...ووضع يديه المغرقة بالدماء تحت الماء الجاري.....
تناول المنشفة المتسخة ووضعها في الماء . .وحاول ان يمسح بها الدماء عن ثيابه ففشل ....
خلع حذائه وخلع قميصه وبنطاله ووضعهم في الحوض واغرقهم في الماء ترك كل شئ واتجه الي الفراش وألقي جسده عليه
وأغلق عينيه......

  **********************
الاحد.... التاسع والعشرون من يوليو

  وقف ينظر الي حذائه البالي محاولا ان يخفيه ببنطاله.....ثم رفع عينيه يتأمل القبة المهيبة داخل جامعة القاهرة تبرز متألقة بفعل انعكاس الشمس عليها....
جلس علي حافة الرصيف ينتظر.....ينتظر حلمه وامله....
هو الاستاذ (عويس مخيمر) موظف صغير بالارشيف في وزارة العدل
شارف علي التقاعد , محدود الثقافة,مخلص في عمله,حياته تسير بانتظام,
منذ اربعين عام لم يكن سوي ذلك الشاب الريفي البسيط القادم من اعماق الصعيد الذي هجر قريته النائية إلي قاهرة المعز....وهو يري في هجرته تقدما في السلم الاجتماعي وهو علي استعداد ان يدفع ثمن هذا التقدم ............
كان الرحيل الي المدينة الصاخبة مغامرة محفوفة بالمخاطرة سواء اراد ام ابي....لكنه كان مفعما بالأمل وكان هذا الأمل هو ما يطفئ كآبته وحنينه. إلي ارضه وأهله......
بأستمرار كان يشعر بمرارة تجتاح صدره...لكنه رغم تلك المرارة فخور بما احرزه من نجاح....اليوم هو اب لولد وحيد في السنة النهائية بكلية الحقوق الاول علي دفعته لثلاث سنوات.....
محمود ... ...
عندما كان هو شابا صغيرا كان كل ما يلي محطة القطار في قريته غامضا و مجهولا.....
الوضع مختلف بالنسبة لمحمود فقد ولد في القاهرة.....وكل شئ في متناول يده ولن يشعر بالكآبة ولن يكون من نصيبه مرار الغربة.....
وهو يري في شهادة ابنه الجامعية نجاحا شخصيا له يعني مزيدا من الارتقاء في السلم الاجتماعي.....خاصة بعد الوعد الذي حصل عليه من معالي وزير العدل شخصيا بتعيين محمود في النيابة العامة فور تخرجه.....
-ايه اللي جابك يا حج عويس .....التفت الي محدثه ... ...
شاب في العشرين من عمره اسمر البشرة يمتلئ بالحيوية وجهه بشوش ... .
-النهاردة يوم نتيجتك مش عايزني أجي ده اليوم اللي قعدت عمره كله استناه
نظر الي وجه ولده الوحيد في حبور وفخر ... ...
هذا الشاب ينتمي اليه.....
من طبائع الامور ان يكون الاب هو المثل الاعلي لابنه حتي لو لفترة قصيرة من الزمن....لكن العلاقة بين الاثنين كانت مختلفة كان محمود هو المثل الاعلي لابيه ... ..كان عويس ينظر لابنه علي انه البطل المغوار القادر علي فعل كل شئ...واي شئ... -ها.....طمني ايه الاخبار
-عيب يا حج...جيد جدا مع مرتبة الشرف....و الاول علي الدفعة
لم يتمالك عويس نفسه من الفرحة وقف وبكي واحتضن ولده و حاول ان يقبل يد ولده .....سحب محمود يده من ابيه فقبل ابيه رأسه....انحني محمود علي يد ابيه يقبلها ثم قبل رأسه.
-ربنا يبارك فيك يا حج كله بدعواتك وبدعوات امي...
-مستقبلك مفتوح يا ولدي ان شاء الله انا كلمت معالي الوزير وهو قالي يخلص وهيتعين في النيابة
-و انت قابلت الوزير فين بس يا حج.
-ما يغركش يا ابني اني موظف صغير ...انا كل الوزارة تعرفني والوزير الجديد ابن حلال.....امك مستنياك في البيت يالا نروح
-لا يا حج انا ورايا مشوار صغير هخلصه وارجع البيت علي طول.
عاد للمنزل وحده ليبلغ زوجته بنجاح فلذة كبدهما ... ...و يناقشا سويا مستقبله الباهر المنتظر ... ..
طال الوقت ولم يأتي محمود سيطر الصمت والترقب علي المنزل.....
رنين الهاتف يقطع حبل الصمت......يرفع سماعة الهاتف يأتيه الصوت من الطرف الاخر باردا كالثلج.....
- ده منزل الاستاذ محمود عويس.....
-ايوة وانا ابوه ... ..خير
-البقاء لله يا حج محمود مات جه عندنا مستشفي الحسين مدبوح..احنا مستنيينك في المس...
سقطت سماعة الهاتف من يده......وقفت زوجته وصرخت ... .
-في ايه يا ابو محمود ....
لم ينطق...امسكت المرأة بقميصه تهزه ... ..
-في ايه يا عويس
-محمود......مات......اندبح..
سقطت المرأة ارضا...

************************
الاثنين....الثلاثون من يوليو

 وقف ينظر الي حذائه البالي المغطي بتراب المقابر.....ثم رفع عينيه ونظر الي الي القبرين ... ..
منذ لحظات دفن امله و سكنه إبنه و زوجته .......مثله الأعلي ورفيقة دربه و شقائه .....
دار بعينيه ينظر فيمن حوله من اولاد اعمامه واقاربه....وقال
-وين هريدي
برز له من بين الجمع شابا ضخما يحمل مدفع ألي علي كتفه
-اني هنا يا خال.
مد يده يعطيه لفافة وقال...
-خد يا ولد دول....تنزل مصر و معاك الرجالة و ما ترجعش غير و هو في يدك و أياك حد يمسه.
تناول هريدي اللفافة وقال.....
-حاضر يا خال.
بعد موت محمود علم ان قاتله يدعي -سعيد كاباكا- بلطجي و قاطع طريق وتاجر مخدرات من الجمالية اوقف محمود و هو في طريقه للمنزل و طالبه بمحفظته وهاتفه المحمول.....وعندما رفض محمود اعطائهم له ذبحه ... ...هكذا وبكل بساطة....ذبحه... عند الذهاب للقسم وجدوا القسم مغلقا بدعوي ان الشرطة عندها اضراب.....ذهب الي المستشفي اخذ جثة ولده رافضا تشريحها ... .و اصطحب جثة زوجته معه وذهب الي قريته في اسيوط لدفنهم ... ...و لم يتقبل عزاء.....باع ارضه ودفع بالنقود لهريدي ليأتيه بكاباكا.

 ****************************
  السبت .....الرابع من اغسطس
وقف ينظر الي حذائه البالي وقد اصبح لامعا براقا بفعل الورنيش الاسود الذي استخدمه لتلميعه ... ...نظر الي ملابسه المهندمة و حرص علي تنسيقها....
ثم فتح الباب و دخل الغرفة وجد هريدي ومعه شخصان يقفان خلف رجل معصوب العينين مكمم الفم مقيد اليدين والقدمين باحكام في الكرسي الجالس عليه......
-جبت الحاجات اللي قلتلك عليها يا هريدي.
-جبتها و عندك في الشنطة اللي عنديك دي يا خال
-تمام خد الرجالة و اطلع برة البيت ومعايزش حد يهوب يمة البيت
-حاضر يا خال.
خرج هريدي و من معه ووقفوا امام المنزل حاملين مدافعهم الالية. مد يده يرفع العصابة عن عيني الرجل ويرفع الكمامة عن فمه....صرخ الرجل باعلي صوته..
-انتوا مين....... يا باشا انا معملتش حاجة.
-انت سعيد كاباكا.
-ايوة يا باشا انا زفت الطين.....أأمرني وانا أنفذ....بس اعتقني
-يوم الحد اللي فات ثبت شاب في الشارع ولما مرضيش انك تاخد فلوسه......دبحته....ده كان ولدي.
صرخ كاباكا باكيا وقد ادرك نهايته المحتومة
-مكانشي قصدي يا باشا اني اغزه في رقبته انا كنت بهوشه عشان يتهت المطوة جت فيه غصب عني....ابوس ايدك يابا الحج ... .ابوس رجلك...انا عندي عيال.
تجاهله عويس واتجه الي الشنطة و فتحها و اخرج منها سكينا و مطرقة و منشار....ثم نظر الي كاباكا بعينين خاويتين لا تحملان اي تعبير.....
ولمدة ست ساعات تالية كان صراخ كاباكا يخترق البلدة كلها وكأنه صراخ الشياطين قادم من اعماق الجحيم....حتي صمت نهائيا... نظر عويس الي كاباكا وقد تقطعت اطرافه و بريق الحياة انطفئ في عينيه... ...ثم فتح الباب واتجه الي الحمام.....

هناك تعليق واحد:

  1. Wynn casino - MapyRO
    Wynn Las Vegas 보령 출장마사지 and Encore Las Vegas offer a 화성 출장샵 variety of table games and live entertainment. 삼척 출장마사지 This 창원 출장마사지 includes blackjack, roulette, craps, craps, poker, and craps 안성 출장마사지

    ردحذف