وقف يحدق من شرفة فندق دان تل ابيب في مياه البحر المتلاطمة امامه.....كان علي مقربة منه مركز ديزنجوف، وشارع بن يهودا مقصده القادم بعد ساعات...نضال ...اسمه نضال أما جواز سفره الذي يحمله في جيبه فكان يحمل اسما اخر ....فرنسوا تينو..فرنسي الجنسية.كان يعيش منذ 30 عام حالة معلقة بين الحياة والموت في انتظار ما سوف يحدث بعد ساعات، ما سوف يحول شخصيته المغمورة الي شعلة من مشاعل الشهادة والبطولة..دخل الي الغرفة والقي نظرة عابرة علي كتاب موجود علي طاولة القهوة ...كتاب مصور عنوانه "يوم في حياة اسرائيل"..وهو عبارة عن كتالوج للانجازات الصهيونية من مدارس ومدن وصحاري تحولت الي جنائن نابضة بالخضرة والبساتين والكروم والحدائق المدرجة...مالم يره نضال في الكتاب هو صورة اخوته وابيه وامه، تذكرهم نضال فأحس ان عينيه غائمتان بالحزن والغضب ........تذكر ان العالم يبكي لوفاة طفل يهودي لكن مامن صحيفة تهتم لتغطية موت الفلسطينين الا اذا ماتوا بينما هم يقتلون اليهود، لم تأت صحيفة واحدة علي ذكر اخته مريم او تؤمه اياد...بينما هذه الصحف مههوسة بتضخيم اخبار اليهود الذين تقتلهم الانفجارات في المدن والمستعمرات المقامه علي ارض اجداده ، تلك الانفجارات التي ينفذها شجعان قلائل يختارون لانفسهم الخروج من الممارسات السياسية القذرة لكي يجعلوا عدوهم يتألم كما يتألم ابناء شعبهم ورغم ان نضال كان يقدر بطولة هؤلاء الرجال ويتفهم أسباب عملياتهم إلا أنه لم يكن قط ليسوغ لنفسه اﻷشتراك في قتل النساء والأطفال، إن عليه أن يشكر الله أنه قد ارسل لأمر آخر. ...ا..........في صيف 1982..كان نضال لا يزال في السادسة من عمره. ...اجتاحت إسرائيل لبنان بحجة حماية حدودها الشمالية من هجمات منظمة التحرير بقيادة عرفات. ألوف الفلسطينيين تجمعوا في أبنية مؤلفة من طابق واحد ولها اسقف مضلعة تتدلي منها مصابيح كهربائية عارية في مخيمين متلاصقين يسميا صبرا وشاتيلا .لم يكن لدا عائلة نضال الكثير لذلك كانت والدة نضال تعمل بالخياطة وصنع الحلويات لتساعد زوحها الذي يعمل بائع متجول للاقمشة بعد ما كان ابن اكبر تاحر قماش في حيفا، وكان نضال يبيع الحلوي التي تصنعها والدته بعد ان يعود من مدرسته .....كاتت الحياة تسير..لكن العالم الخارجي لم يكن ليتركهم ..ففي فجر احد ايام الصيف الحارة استيقظ تضال واخيه التوأم اياد واخته الكبيرة مريم صاحبة الخمسة عشر ربيعا علي الضجيج المرعب لطائرات أف-16 الإسرائيلية تحلق فوق بيروت وكانت تطير علي ارتفاعات تكفي لحمايتها من مدافع الخردة الفلسطينية وتلقي بقنابلها علي المخيم محدثة مذابح لا حصر لها، ظلت القنابل تنهمر لمدة شهرين دون توقف وكل يوم كان يشهد المخيم اعمال دفن جديدة، بينما كان الأطفال يلعبون وسط الفجوات التي أحدثتها القنابل الصهيونية...والطريقة الوحيدة التي عرضت علي عرفات لوقف هذا التدمير كانت الرخيل هو ومقاتلي منظمة التحرير إلي تونس، وهكذا تم الأمر برعاية أمريكية تم خلالها وعد سكان المخيم -الذين كانوا يخافون الإسرائيليين وحلفائهم من المليشيات اللبنانية-بأنهم يستطيعون البقاء والعيش في أمان شريطة نبذ العنف، وهكذا لم يتبقي في المخيم سوي النساء والأطفال وكبار السن والرجال الغير مسلحين..في 14 سبتمبر قتل زعيم الكتائب اللبنانية بشير الجميل قتل في مقر قيادته في بيروت وكان منذ ايام قد انتخبه البرلمان اللبناني رئيسا للبنان لكنه قتل قبل تسلمه المنصب وكان الجميل شريك اساسي للصهاينة في غزو لبنان تحت ما يعرف بحملة "بريق"، هنا استغل شارون -الجنرال الرابح او كما يسمونه جزار بيروت- الفرصة ودخل الي بيروت وأحاط بالمخيمات وبموجب قوانين الحرب كان من المفترض ان يكون الصهاينة هم المسئولون عن سلامة المدنيين لكن شارون اراد من الكتائب أن يقوموا نيابة عنه بالاعمال القذرة......في ليلة 16 سبتمبر تسللت المليشيات اللبنانية الي داخل المخيم وبدأوا يتنقلون من بيت الي بيت بينما الجنود الصهاينة يراقبون ما يجري من فوق الأسطح ويطلقون القنابل المضيئة لأنارة المخيم....حطم ثلاثة من رجال الكتائب باب منزل عائلة نضال .....تقوقع افراد العائلة معا علي البساط الممزق..والد نضال ووالدته ومريم واياد وهو...من فتحة الباب سمع نضال صوت طلقات مصحوبا بصرخات جارتهم..امسكت مريم يده تحتضنها تستمد منها الامان وتمنحه له....اما والدته فكانت تبكي وتتمتم بالدعاء، وقف والده امامها اطلق عليه قائد المجموعة النار اصابت الرصاصات رأسه فارتد قتيلا علي الارض تسيل دمائه علي البساط الممزق، صرخت الام واحتضنت اياد وقالت :ارجوكم دعوا أطفالي. رجل اخر اطلق النار عليها وعلي اياد فتكوم الاثتين بلا حراك وامتزجت دمائهم معا مع دماء الاب...انبطح نضال ارضا وهو جامد من الخوف ولا يزال ممسكا بيد مريم منتظرا لحظة موته ظل متجمدا حتي سمع صوت يقول: انهضا. وقفت مريم وهي تسحب اخيها الي الجدار ليلتصقا به ، اشعل الرجل نور مصباح يدوي في وجوههم لم يستطع نضال ان يري من شدة النور....مد نضال يده امام وجهه ليحمي عينيه من النور وردد قائلا :دعها تعيش...دعها تعيش، اقتلني انا ودعها تعيش.....انتزع الرجل مريم من قبضة اخيها موجها اياها نحو الزاوية بإشارة من ضوء مصباحه ..-اذهبي الي هناك وحاذري التعثر بجثة امك.انتقلت مريم إلي الزاوية كما طلب منها....حاول نضال ان يندفع في اتجاهها فشعر بفوهة المدفع تضغط علي راسه مرر الرجل المصباح الي كف نضال وقال :سلط نور المصباح عليها.فعل نضال ما طلب الرجل سلط المصباح علي مريم كان اول مرة يري عينيها في هذه الليلة خاويتين لا حياة فيهما.-اخلعي ثيابك......قال لها الرحل .-لا...صرخ نضال.-دعينا تري كل شئ وإلا سنطلق النار علي رأسه امام عينيكي.لمحت مريم وجه اخيها فقالت له عيناها ....أهرب. رمي تضال المصباح من يده واندفع خارج الباب جري المسلح الثالث خلفه واطلق الرصاص الذي تناثر من حول نضال بينما هو يعدوا في الظلام بجسد مرتجف وقلب يتقافز في صدره ظل يجري في شوارع حفظها عن ظهر قلب لم يتوقف سوا مرة واحدة....ليتقيأ...ظل يجري حتي وصل الي مركز الصليب الاحمر وهناك اختبأ مع لاجئين اخرين لمدة ثلاث أيام لا يأكل شيئا ولا يكلم احد، وعندما طرق المسلحون باب المركز تصدي لهم الطبيب الفرنسي باتريك تينو مجازفا بحياته أمرا أياهم بالانصراف.لم يكن نضال يتمني شيئا سوي الموت، ان يلحق بعائلته لكن المسلحون كانوا قد انصرفوا .كانت الامور قد بلغت نهايتها بدأ الأمريكيون بالأحتجاج وقرر الصهاينه أن رجال الكتائب قد تجاوزوا حدودهم كثيرا لذلك امروهم بالخروج تطلق الكلاب ثم تجمعهم بصفارة.بعد ما خرج اخر مسلح تجول نضال وحده بالمخيم ...بين الانقاض والجثث لم يجد احد في منزلهم كان خاويا تم جمع الجثث فتاهت جثث اهله...عاد الي مركز الصليب الاحمر وحيدا ليجد الطبيب باتريك تينو الذي نشأت بينه وبين نضال علاقة خاصة اشبه ما تكون علاقة اب وولده .....كان باتريك عقيما ...وكان نضال يتيما...اصطحب باتريك نضال معه الي فرنسا واسماه فرانسوا واعطاه اسمه...طوال ثلاثون عاما مضت لم ينس نضال من هو، وماذا يريد ، مات باتريك ونضال مازال شابا صغيرا يبلغ من العمر ستة عشر عاما تركه ومعه ما يكفيه من المال ليكمل تعليمه ويعيش حياة كريمة .....بعدما انهي تعليمه عمل محررا صحفيا لوكالة فرانس برس اختار ان يعمل داخل الاراضي المحتلة ، داخل الاراضي المحتلة احتفظ نضال بالواجهة الفرنسية لشخصيته مخفيا هويته الفلسطينية حتي يسهل له التعامل مع الصهاينه لم يعلم احد عن حقيقته سوي فادي خلايله احد قادة الاجنحة العسكرية في حركة الجهاد الاسلامي ,كان نضال قد احري معه لقاءا صحفيا وسط اجراءات امنية مشددة، كان نضال يسعي لهذا اللقاء منذ هبوطه ارض اجداده، فادي كان الرأس الاكبر الذي تطلبه اسرائيل فهو مهندس العمليات الاستشهادية الاخيرة، كان فادي يقارب نضال في العمر ....عند اللقاء حكي له نضال حقيقة شخصيته وما حدث معه في المخيم وطلب من فادي ان يساعده في الانتقام.رحب فادي بالفكرة ولكنه اخبر نضال ان الامر ليس سهلا فمن يقدم منهم علي اي عملية استشهادية لا ينبغي له ان يقوم بها بغرض الانتقام ولكن ان تكون ابتغاء لمرضاة الله وجهادا في سبيله، ثانيا ان يكون الاستشهادي نفسه متما لحفظ القرأن الكريم كله.....رد عليه نضال بأنه يعلم ذلك وانه منذ خمس سنوات تقريبا منذ وجوده في الارض المحتلة بدأ في حفظ القرأن والمحافظة علي الصلاة ....كان الامر في اوله صعب للغاية لكن الامور تحسنت مع مرور الوقت والان قارب نضال علي اتمام حفظ القرأن .بعد شهرين من لقاء فادي بدأت اسرائيل اعتداء وحشي اخر علي قطاع غزة حملة عسكرية عرفت بالرصاص المصبوب ، بحكم عمله كان نضال علي مقربة من كل شئ تطارده اصوات الطائرات والانفجارات تذكره بالمخيم ، الاطفال مبتوري الاطراف والرؤوس كانوا يذكرونه بأخوته ، أخذ نضال قراره الان قد حان الوقت كان قد انهي حفظ القرأن ، قام بالاتصال بفادي عن طريق وسطاء عدة ....تم ارسال رسالة له ان يتجه الي فندق دان تل ابيب سيجد غرفة محجوز باسمه عليه ان يجلس في الغرفة...........وينتظر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق