"سارة" امام متحف ديل برادو بمدريد يداعب النسيم العليل خصلات شعرها الناعم ....استدارت واعطت ظهرها لواجهة المتحف ثم اخرجت كاميراتها السوني ووجهتها لنفسها بطريقة السيلفي وقالت...-هذه بداية الرحلة يا خالد اسجلها من اجلك.اغمضت عينيها تتذكر وجهه الاسمر وشعره الاسود المجعد...وهمست "كم اشتاق اليك".خالد بن رابح مراسل وكالة فرانس برس الذي يقبع الان في سجون بو تفليقة بالجزائر لأنه جرؤ علي وصف الانتخابات الرئاسية بالجزائر بأنها كوميديا سوداء لتنصيب جثة.كانت سارة في منحة للدكتوراة بجامعة السوربون في باريس وقت ان قابلها خالد ، كانت تقف امام تحفة اليكساندروس الاغريقي " venus de milo" بداخل متحف اللوفر ، وقف بجانبها وقال بعربية فصحي -رائع هذا التمثال.التفتت اليه فوجدت ابتسامة ويد ممدودة -خالد بن رابح جزائري مقيم بفرنسا، وانت دكتورة سارة ..... مصرية تدرسين تاريخ الفن بالسوربون ، ربما لا تتذكرين ولكننا تقابلنا منذ شهر تقريبا في معرض دكتور عمر النجدي.ابتسمت سارة ومدت يدها لتصافحه...-نعم تذكرت ...اهلا استاذ خالد...تقابلوا كثيرا و تحدثوا كثيرا....كانوا يسيرون بالساعات في شوارع باريس ويجلسون بالساعات علي مقاهيها....شرح لها كيف ان حكام باريس قاموا بتكليف المهندس الشهير هوسمان لاعادة تخطيط المدينة تحت مسمي التطوير بما لايسمح للثوار بالسيطرة علي طرقاتها الضيقة من خلال ما اعتادوه من وضع المتاريس ، لذلك خرج هوسمان بفكرة "البوليفارد" او الشارع الطويل جدا العريض جدا.لم يمر شهران حتي كانوا زوجين...وكان من المفترض ان يقضوا شهر العسل في مدريد لكن عمل خالد اجبره علي السفر للجزائر لتغطية الانتخابات الرئاسية ...ومن يومها لم يعود...شهران وسارة تدور علي كل من هو صاحب شأن بالصحافة والصحفيين والحريات....مكتب الوكالة ، صحفيين بلا حدود، مكتب الامم المتحدة، منظمة هيومان رايتس، حتي السفارة الجزائرية في باريس...طرقت كل الابواب دون جدوي،حتي جائتها رسالة من خالد " سأخرج قريبا اذهبي الي مدريد وسأوافيك هناك لنكمل شهر العسل ....لا تنسي ان تسجلي لي كل خطواتك....احبك للابد خالد".مر اسبوع في مدريد ولم يأتي خالد قررت ان تزور متحف ديل برادو وتسجل زيارتها من اجله.ظلت تدور بين قاعات المتحف المختلفة بين لوحات روبنز و ابداعات بروجل وجنون بيكاسو و توهج فيرونيز....حتي وقفت امامها.....يا الله ما هذا الرعب...انها اللوحة الاعظم ل"فرانسيسكو دي جويا" ...الفنان الاصم.ظلت تنظر الي ذلك الكائن المهول بشع الملامح الذي فقد صوابه وقدرته علي السيطرة علي مشاعره ورغباته الشريرة ممسكا بيده ابنه الطفل عاريا وقد بدأ في التهامه بطريقة وحشية في اسلوب كلاسيكي يراعي التفاصيل الدقيقة لحركة الاطراف القابضة علي جسد الطفل والدماء المتناثرة .وجهت كاميرتها الي اللوحة وقالت:-هذه لوحة "ساترن يلتهم ابنه" او " saturn devouring his son" احد اهم اعمال جويا قام برسمها في ما يعرف بالمرحلة السوداء من حياته او " pintura negras " وهن اربعة عشرة لوحة رسمهم جويا علي جدران منزله او محبسه الاختياري بعد اصابته بالصمم ومسحة من الجنون ، وهي تتناول اسطورة ساترن او كرونوس الاغريقي الذي قتل والده اورانوس بسبب ظلمه واستولي علي العرش لكنه كان اشد ظلما من ابيه وقد رأي رؤيا بأن احد ابنائه سوف يقضي عليه -لا اعرف حقيقة علاقة تعلق الطغاة بالرؤي اولا فرعون ثم كرونوس حتي عصرنا الحديث نابليون وهتلر و.......- حاول كرونوس ان يتفادي تحقق رؤياه ، اصدر اوامره لزوجته ريا بأن تسلمه كل مولود فور ولادته ...حتي بلغ عددهم خمسة مواليد ، ابتلعهم واحدا تلو الاخر في جوفه، وفي الطفل السادس عزمت ريا ألا تسلم الملود لأبيه فأتت بحجر وألبسته اردية الطفل الرضيع و بعثت به لكرونوس الذي التهمه ، ونقلت ريا مولودها الذي اسمته زيوس الي كهف مهجور بجبل الاوليمب وحين اصبح يافعا اوعزت له بفكرة الانتقام من والده فقدم له شراب الخردل الذي افرغ ما في امعائه ليخرج ابنائه الخمسة وينضموا لشقيقهم في حرب ابيهم واتباعه وانتهت المعركة بهزيمة كرونوس واصبح زيوس حاكم السماء والارض وعاقب كل ظالم.اغلقت الكاميرا واغمضت عينيها تفكر..الظلم والقهر والعنف والاستبداد وجنون السلطة ...هي امور تتسم باستمرارية الحدوث والتكرار في حياة الناس والتاريخ.....اوطان تلتهم ابنائها من اجل الحفاظ علي العروش....تري من يأتيني بك يا خالد....تري من يسقي ساترن زيت الخردل ليخرجك من جوف الشيطان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق