الخميس، 13 مارس 2014

ام المنفيين 4


"فريدة".....تشبه فريدة امها في الشكل تماما فهي صغيرة الحجم،سمراء،محجبة....وثابة كعصفور لا تستقر ابدا، لم تأخذ من ابيها سوي لون عينيه،فعينيها خضراء بلون العشب،
انهت فريدة دراستها الثانوية وألتحقت بكلية الاعلام قسم صحافة ،بعد انتهاء دراستها بالكلية حصلت علي منحة فولبرايت الامريكية لدراسة الماجستير بجامعة "ستانفورد" بولاية كاليفورنيا كان ذلك في العام 2002 لم تكن عائشة لتمنعها عن شئ يسعدها ابدا لكنها كانت حزية لفراقها،اثنان وعشرون عاما لم تفارقها قط،والان  لمدة عامين ستكون علي بعد الاف الاميال في بلاد غريبة لطالما ما اعتبرتها عائشة عدو.
-امي انا اذهب لاتعلم ، لاصبح افضل ، والامر لن يستغرق سوي عامين لااكثر.
-لم امنعك عن شئ ترغبينه يابنيتي من قبل ، ولن امنعك الان اذهبي تعلمي وعودي وانتي افضل.....فانتم الامل.
جامعة ستانفورد تلك الجامعة التي تم انشائها بسبب التعالي والغرور لشخص احمق.
في العام 1884 م توقف القطار بمدينة بوسطن الامريكية وخرج منه رجل من اصل الماني وزوجته ، يرتديان ملابس متواضعة كانت الزوجة ترتدي ثوبا قطنيا بينما كان الزوج يرتدي بدلة متواضعة حاكها بيديه ، وبخطوات وئيدة توجه الزوجان الي جامعة هارفارد الشهيرة وقصدا مكتب رئيس الجامعة وطلبا مقابلته دون ان يكونا قد حصلا علي موعد مسبق،غير ان مديرة مكتب الرئيس رأت انهما غير جديرين بمقابلته وبالتالي اخبرتهما ان الرئيس مشغول جدا ولن يستطيع مقابلتهما في وقت قريب ولكن سرعان ما جاء رد السيدة الريفية حيث قالت في صوت هادئ
-لا بأس سوف ننتظره.
وظل الزوجان ينتظران لساعات طويلة اهملتهما خلالها السكرتيرة تماما علي امل ان يفقدا الامل والحماس البادي علي وجهيهما وينصرفا ، لكن هيهات فيبدوا ان الامر الذي اتي من اجله الزوجان يستحق المعاناة، مع مرور الوقت واصرار الزوجين علي الانتظار بدأ غضب السكرتيرة يتصاعد فدخلت الي الرئيس في مكتبه ورجته ان يقابلهما لبضع دقائق لعلهما يرحلان،هز الرئيس رأسه موافقا بغضب وبدت عليه علامات الاستياء فمن هم في مركزه لا يجدون الوقت لملاقاة ومقابلة إلا علية القوم،فضلا عن انه يكره الثياب القطنيه الرثة وكل من هم في هيئة الفلاحين لكنه وافق علي رؤيتهما لبضع دقائق كي يضطرا بعد ذلك للرحيل، حينما دخل الزوجان الي مكتب الرئيس قالت له السيدة
-لقد كان ابننا الوحيد يدرس هنا في هارفارد لمدة عام ثم توفي في حادث وبما انه كان سعيدا خلال الفترة التي قضاها هنا في هذه الجامعة العريقة فقد قررنا تقديم تبرع للجامعة لتخليد اسم ابننا.
لم يتأثر الرئيس كثيرا بما قالته السيدة بل رد بخشونة
-سيدتي لا يمكننا ان نقيم مبني ونخلد ذكري كل من درس في هارفارد ثم توفي وإلا تحولت الجامعة الي غابة من النصب التذكارية.
وهنا ردت السيدة
-نحن لا نرغب في وضع تمثال له، بل نريد ان نهب مبني يحمل اسمه للجامعة.
لكن هذا الكلام لم يلق اي صدي لدي رئيس الجامعة فرمق بعينيه الغاضبتين ذلك الثوب القطني والبدلة المتهالكة ورد بسخرية
-هل لديكما فكرة كم يكلف بناء مثل هذا المبني، لقد كلفتنا مباني الجامعة ما يقارب سبعة ونصف مليون دولار.
ساد الصمت لبرهة ظن خلالها الرئيس انه اخيرا تخلص من هذين الزوجين،لكن السيدة استدارت ناحية زوجها وقالت
-سيد "ستانفورد" ما دامت هذه تكلفت انشاء الجامعة كاملة فلماذا لا ننشئ جامعة جديدة تحمل اسم ابننا؟
هز الزوج رأسه موافقا ثم غادر الزوجان "ليلند وجين ستانفورد"وسط ذهول رئيس جامعة هارفارد ، وسافرا الي كاليفورنيا حيث اسسا هناك جامعة "ليلند ستانفورد الابن" العريقة التي ما زالت تحمل اسم ابنهما وتخلد ذكراه الي الان، ذلك الابن الذي لم يكن يساوي شيئا للاحمق المغرور رئيس جامعة هارفارد.
25 يناير 2003 اول يوم لفريدة داخل جامعة ستانفورد خطت اولي خطواتها علي ذلك الطريق الثعباني الطويل المؤدي الي المبني الاداري للجامعة ابهرها ذلك الشعار المرسوم علي كامل المبني،
دائرة حمراء كتب في وسطها بالالمانية
"DIE LUFT DER FREIHEIT WEHT"
"هواء الحرية يهب"
كان السيد ستانفورد صاحب هذا الشعار دعوة منه للعالم للقدوم الي مكان يمنح العلم دون قيود ،ذلك العلم الذي هو السبيل الوحيد للحرية.
شعرت فريدة وهي تقرأ كلمات الشعار ان هذه الكلمات قد كتبت خصيصا لها.
بعد مرور عام ونصف من المنحة وكانت قد قاربت علي انهاء الماجستير وجدت اعلان تطلب فيه وكالة سي ان ان مراسلين جدد ، ارسلت سيرتها الشخصية ، و تم الرد عليها بعد يومين انها قد حصلت علي مقابلة بعد اسبوع،حزمت حقائبها وسافرت الي أتلانتا لعمل المقابلة، كانت المقابلة مع "جيم هاوارد" كبير المراسلين الدوليين للوكالة،لم يكن جيم ذلك الشخص الذي قرأ عن انهيار الشيوعية او هدم جدار برلين أو حصار بيروت او المذابح في رواندا او كل حروب العراق ، ولكنه كان هناك في قلب كل هذه الاحداث،كان المراسل الافضل لسي ان ان طوال عشرون سنة مضت وكانت مقابلنه في حد ذاتها شئ يدعوا للفخر.
كانت المقابلة في مبني سي ان ان الرئيسي في أتلانتا عاصمة ولاية جورجيا، دخلت عائشة غرفة المقابلة وجدت جيم واقفا في استقبالها وبجانبه امرأة سوداء صاحبة ملامح دقيقة وجذابة وشعر ثائر كطوفان يتدلي علي كتفيها ، عرفتها فريدة علي الفور "ليزا تايلور" رئيس المحررين في الوكالة، مد جيم يده مصافحا وقال
-جيم هاوارد.
مدت عائشة يدها تصافحه قائلة
-غني عن التعريف سيد هاوارد....."فريدة الغندور".
ثم مدت يدها نحو ليزا قائلة
-تشرفت بلقائك سيدة "تايلور".
صافحتها ليزا ورفعت حاجبيها مندهشة
-تعرفينني رغم اني اقف دائما خلف الكاميرات.
-بالطبع سيدة تايلور فأنت الابرز.
-الابرز وليس الافضل؟ تفضلي بالحلوس.
جلست فريدة وقالت
-لا ليس الافضل اعتقد ان الافضل الان هو "توماس وود" من نيويورك تايمز،لكنك الابرز لانك اول امريكية سوداء تصل لهذا المنصب في سي ان ان،
تعلمين.....انتي ملهمة لكل من يأتي لامريكا من النساء المهاجرات فانت من اصل نيجيري واتيت لامريكا لتصبحي ما انتي عليه الان وهذا شئ رائع.
-شكرا لك انسة "الغندور"
ثم ضحكت ضحكة قصيرة وقالت
-لكن تأكدي أن هذا الاطراء لن يؤثر علي حكمي في هذه المقابلة.
ابتسمت فريدة وضحك جيم وقال
-صدقيني انسة "الغندور"كان سيؤثر علي جدا لو وجه هذا الاطراء لي.
ابتسمت فريدة وقالت
-افضل ان تدعونني فريدة دون القاب فوقع لفظ انسة "الغندور"علي اذني ثقيل للغاية.
لوحت ليزا بيدها قائلة
-اعتقد هذا افضل بكثير.
-ماقلته في حقك سيدة تايلور ليس اطراء انه حقيقة ، في كل طائفة من الاقليات يوجد رموز يرنوا اليها الناس والي طريقها الذي شقوه نحو النجاح مثلا النساء السود في امريكا العاملات في مجال الصحافة ينظرن الي "اوبرا وينفري" او الي "توني موريسون"علي انهن مصدر الهام....فتوني مثلا شقت طريقها نحو القمة عبر صعوبات كثيرة ينظرن الي كيف بدأت وكيف انتهي بها المطاف بالحصول علي جائزة نوبل عام 1993 وجائزة بوليتزر.
قالت ليزا
-هل قرأت شيئا من روايات توني موريسون .
-نعم واكثر ما اعجبني قصتها الاولي "اكثر العيون زرقة" عن تلك الفتاة الصغيرة السوداء التي تتوق للحصول علي عيون زرقاء.
-تعجبني انا ايضا تلك القصة جدا فلطالما كنت تلك الفتاة.
تنحنح جيم قائلا
-اسمحوا لي لكن انا ايضا احب موريسون فانا ضد تخصيص الادب لطائفة او فئة بعينها فالادب لكل الناس.
قالت فريدة
-بالطبع انت محق سيد هاوارد لكن الاغراق في واقعك ومجتمعك في الكتابة يصل بك الي العالمية فالكل يريد ان يعلم ما يدور في ذلك العالم البعيد عنه جدا وهذا ما وصل بأديبنا المصري "نجيب محفوظ" الي جائزة نوبل.
-اتفق معك تماما ......دعينا نتحدث عن العمل الان،لقد قرانا سيرتك الذاتية وهي جيدة للغاية،نحن في حاجة الي مراسلين جدد في مناطق مختلفة من العالم ونحن في حاجة لمن هن مثلك في اذربيجان فانت مسلمة ومصرية ومواطني تلك المناطق سيتعاملون معك بسهولة عكس التعامل مع الغربيين امثالي.
-وانا مستعدة للعمل مع سي ان ان في اي مكان.
-جيد.
قالت ليزا
-سؤال اخير .....هل لديك مشكلة في التعامل مع اليهود فانت مسلمة وعربية ....تعلمين مشكلة الانتماء وما الي ذلك.
-سيدة تايلور....انا انتمائي لديني اولا ثم للانسانية في كتابنا المقدس القرأن يقول رب العالمين مخاطبا رسولنا الكريم فيقول له( وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين)....لم يرسل نبينا رحمة للعرب فقط بل للانسانية لا يوجد عندي مشكلة مع اليهود لكن يوجد عندي مشكلة مع الصهاينة....ورغم ذلك فنحن مأمورون بالتعامل العادل مع كل البشر وحتي وان ابغضناهم فيقول عز وجل(ولايجرمنكم شنئان قوم علي ألا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوي).....ثم ان عملي كمراسلة لا يوجد فيه راي فانا انقل ما يحدث ولن اتكلم عن رأيي إلا لوطلب مني.
نظرت ليزا الي جيم نظرو ذات مغزي ثم قالت
-حسنا يا فريدة اعتبري نفسك من الان علي متن قاربنا.
-شكرا سيدة تايلور.
قال جيم
-سؤالي انا الاخير يا فريدة ...ما معني فريدة.
قالت فريدة
-فريدة تعني "unique" بالانجليزية.
ضحك جيم وقال
-اسم علي مسمي من اليوم اسمك لدي "miss unique".....انت تستحقين هذا الاسم يا عزيزتي.
اخبرتهم فريدة بانها امامها شهرين كي تصبح جاهزة للالتحاق بالوكالة بعد ان تنهي الماجستير ، اتفقوا ان تحضر الي واشنطن بعد شهرين لتقضي فترة للتدريب علي العمل كمراسلة ثم تسافر بعد ذلك.
بعد شهرين كانت فريدة قد حصلت علي الماجستير واخبرت عائشة انها قد حصلت علي وظيفة في السي ان ان ، تقبلت عائشة الامر علي مضض فقد كانت تمني نفسها بعودة ابنتها الحبيبة بعد مرور العامين صحيح انها كانت تعود للقاهرة كل ستة اشهر لمدة اسبوع ، لكن هذا ليس كافيا ابدا.
مرت شهور التدريب الثلاثة واصبحت فريدة جاهزة للسفر وكعادتها كانت فريدة محل اعجاب كل مدربيها.....وخاصة جيم هاوارد.
سافرت فريدة....بعد رحلة طيران استغرقت 18 ساعة علي طائرة الخطوط الجوية الالمانية "لوفتهانزا" وصلت فريدة الي مطار "باكو".
عند خروجها من صالة الوصول وجدت سيدة اربعينية ذات شعر اسود طويل ناعم وبشرة بيضاء تحمل لافتة مكتوب عليها "miss unique"
اتجهت اليها فريدة ومدت يدهاوهي مبتسمة
-انا فريدة او "miss unique".
مدت السيدة يدها مرحبة وقالت
-"خانوم سلاخوفا"المسئولة عن مكتب السي ان ان في "باكو" مرحبا بك ومعذرة علي الاسم جيم هو من اخبرني به.
قالت فريدة
-جيم هو من اطلق علي هذا الاسم لكني افضل فريدة.
مدت خانوم يدها تحمل حقيبة فريدة الثانية وقالت
-دعيني اساعدك في حمل الحقائب السيارة تنتظرنا بالخارج.
وضعتا الحقائب بالسيارة المنتظرة خا ج المطار وائتقرت خانوم علي مقعد القيادة وبجوارها فريدة
-مرحبا بك في باكو ارجو من الله ان تكون ايامك فيها سعيدة ومثمرة.
-شكرا لك سيدة سالاخوفا.
-خانوم فقط نحن من الان زملاء واصدقاء لا داعي للالقاب .
-حسنا يا خانوم الي اين سنذهب الان.
-الي الفندق تضعين حقائبك وترتاحين من عناء السفر.
-لا افضل ان نذهب للفندق لنضع الحقائب ثم نذهب مباشرة للمكتب.
نظرت لها خانوم في اعجاب
-حسنا كما تريدين يا عزيزتي ، اري انك تستحقين اللقب عن جدارة....مرحبا بكي في "ارض النار".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق